بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

وقد أنزله على هذا النحو لينمّي ويقوّي الملكات العقليّة لدى هذا المخلوق الذي أُنزله من أجله، لأنّه قد بيّن له فيه كلّ ما يهمّه ويخصّه فيما يتعلّق بخلق الكون ونظامه، وهذا النظام كلّه مرتبطٌ مع بعضه البعض، فكلّ شيءٍ فيه، وكلّ مخلوقٌ مرتبطٌ بالمجموعة التي يوجد فيها في الكون ما دام يكوّن عنصراً فيه، وكلّ عضوٍ يتأثّر بحالة العضو الآخر الذي يوجد معه بنفس المجموعة. ونستطيع أن نستدلّ على ذلك بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

«كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

وقد أنزّل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن على هذا الارتباط بعضه ببعض من ناحيّةٍ، ومن ناحيّةٍ أخرى ربطه بآيات الكون كلّه، ومن ناحيّةٍ ثالثةٍ جعله مرتبطاً بالنفس الإنسانيّة ليقوم بتأثيره فيها كأحسن ما يكون، سواءً الروحيّة منها أو العقليّة، أو الجسميّة، أو العاطفيّة.

فما من حقيقةٍ يدعو إليها القرآن الكريم إلاّ وهي متحقّقةٌ في مبناه اللفظي الذي بنى عليه ربّنا كلامه، وفي البناء المعنوي الذي يقصده تعالى من كلّ آيةٍ أنزلها، واختار لها كلّ كلمةً اختياراً مناسباً ودقيقاً محكماً.

فالقرآن له خاصّية العطاء المتجدّد والمستمرّ، ويمكن أن يعطي في كلّ وقتٍ أو زمانٍ من أوقات أو أزمنة وجود هذا الإنسان في هذا الكون وجهاً من وجوه الحقيقة، فلكلّ حادثةٌ حكمٌ، ولكلّ مشكلةٍ حلٌّ، لأنّه آخر الكتب التي أنزلها ربّنا - عز وجل -، فهو يساير مراحل حياة البشريّة المستمرّة على هذه الأرض إلى يوم القيامة، وهذا يكون على حسب الرقيّ العقلي والتقدّم العلمي، وتغيّر الحياة، وتعدّد وسائل المعرفة التي تغيّر من وضعيّة تفكير الإنسان، وهذا التفكير لا يقوى إلاّ عندما تقوى فيه الخلايا المخّية، وتكون صالحة لتفكيرٍ عميقٍ وصوابٍ.

٢١٢ / ٤٣٩