بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢١٨إنّ هذا القرآن الكريم يجعل الإنسان يتجانس مع وسطه الذي يعيش فيه، فيحقّق بذلك حياةً راقيّةً سعيدةً طيّبةً، ويبيّن له أنّ قانون البقاء يكون للأصلح وللأقدر على التكيّف مع الوسط البشري الذي يعيش فيه.
وهاتان الصفتان ــ التجانس مع الوسط والبقاء للأصلح ــ تدفعان الإنسان دفعاً قويّاً إلى استعمال قواه الفكريّة حتّى يحقّق مثل هذه الأهداف، لأنّه يدرك أنّهما لا تتحقّقان إلاّ بالعلم والتقدّم في مجال حياته.
والقرآن الكريم يقدّر مسؤوليّة الإنسان عن حواسه وعقله، ويأمره باستخدامها واستعمالها في البحث عن المعرفة، وينهى عن الغفلة، ويحارب الجمود على الآراء الخاطئة، بل يرشده إلى التطوّر والإبداع في كلّ المجالات سواءً الاجتماعيّة، أو الاقتصاديّة، أو الثقافيّة، وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ هذه الحياة هي بطبيعتها في تبدّلٍ دائمٍ وتطوّرٍ مستمرٍّ.
والحواس كما نعلم جميعاً هي وسائل للتعلّم وتوصيل المعرفة إلى القوى العقليّة، فلذلك يرشد العلماء جميع من يريد أن يتعلّم جيّداً، ويزداد من الثقافة، وينمي قواه العقليّة أن يحافظ جيّداً على هذه الحواس، حتّى تؤدّي دورها وعملها بكلّ قوّةٍ، وبأداءٍ كاملٍ.
والقرآن من جهة أخرى يحارب الظنّ السيّئ، ويأمر باجتنابه، وبالبحث عن الحقيقة والتثّبت في الأخبار. قال - سبحانه وتعالى -:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[الحجرات ــ 12]
وكلّ هذا إرشاد لإعمال الفكر بكلّ ثباتٍ وثقةٍ، والنظر جيّداً في العواقب، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن كان شأنه تشغيل قواه العقليّة دائما وبدون انقطاع.