بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٦١ولكنّ إنسان هذا العصر يولد ويكبر ويهرم ويموت وهو لم يعرف معنى للحياة الروحيّة المطمئنّة المتوازنة، لأنّ المربّين والأولياء على تعاقب الأجيال لم يوفّروا الظروف الملائمة التي يستطيع أن يعرف فيها مثل هذه الحياة، معرفةً كاملةً، والمشكلة الكبرى هي عندما ينهج المربّون في المجتمعات الإسلاميّة منهج التربيّة المادّية العلميّة، ولا يفكّرون في الرجوع إلى ما أنزل خالق هذه النفس من المناهج لتوجيهها وتربيّتها التوجيه الصحيح القويم.
وقد خاطب الله - سبحانه وتعالى - المسلمين في كتابه وبيّن لهم بأنّ تزكيّة النفوس وتدنيسها يرجع إليهم، وهو قد ألهمها فجورها وتقواها، فعلى الإنسان أن يزكّيها، أو يدسيها، فلماذا يبقى هذا الإنسان في حيرة من أمره، يبحث عن الوسائل التي يربّي بها هذه النفس التربيّة المستقيمة، وربّه قد أنزل إليه هذا الكنز العظيم الذي يستطيع أن يحقّق به الحياة الراقيّة لنفسه، ويسمو بها سموّاً ليس له حدودٌ. فالله - سبحانه وتعالى - يقول في هذه النفس البشريّة:
- ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ … [الشمس ـ 7ـ10]
فعمليّة التزكيّة والتدسيّة عمليّةٌ بشريّةٌ، يجب علينا أن نفتح أسماعنا وأبصارنا جيّداً وأن نحدّق فيما أنزل إلينا ربّنا، ونستفيد منه إلى أقصى درجة ممكنة، لأنّه كنز لا تنقضي فوائده، ولا تنتهي توجيهاته، ولكنّ هذا الإنسان ما زال معرضاً عن الرجوع إليه، والاستفادة منه في سبيل بناء هذه النفس الصغيرة، نفسيّة الأطفال الذين تدفعهم الأرحام إلى الوجود، وهم لا يملكون فكراً، أو كلاماً، أو كتابةً، وليس لديهم إلاّ الاستعداد لأن يكونوا أيّ شيءٍ نبني عليه نفوسهم.