بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦والقرآن الكريم باحتوائه على تلك المواضيع المتعدّدة والمختلفة التي يدرسها ويناقشها، يجعل قارئه ومتدبّره يستعمل كامل قواه المتعدّدة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، العقليّة منها والنفسيّة والوجدانيّة، لأنّه كلام ربّه - عز وجل - يخاطب فيه كلّ هذه الجوانب، النفسيّة والقلبيّة والعقليّة، وبالمداومة على تلاوته وتفهّمه تبدأ تلك الخريطة التفكيريّة تتكوّن لديه، وما أحوجنا نحن أوّلا وأولادنا إلى تكوين تلك الخرائط التفكيريّة التي تبيّن لنا مكانتنا في هذا الوجود وقيمتنا فيه، وما هو الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه فيه، والعمل الذي يجب أن نقوم به علّنا نخرج من تقوقعنا، ونتغلّب على تشاؤمنا ويأسنا، فنلحق بركب الحضارة.
وإذا درسنا الأمم الإسلاميّة السابقة التي حازت قصب السبق في كلّ ميادين العلم والإبداع، نجد أن اهتمامهم بحفظ القرآن الكريم، وحبّهم لحفظه ومدارسته، ومحاولتهم تطبيقه في واقع حياتهم العمليّة، أرشدهم وكوّن فيهم التفكير في السير حثيثاً إلى بلوغ المعالي، والطموح إلى الوصول إلى أعلى مراتب الأخلاق والعلم والعمل والإبداع والإنجاز، فصار ذلك التفكير فيهم طبيعةً، ولمّا اطّلع ربّهم - عز وجل - على قلوبهم وعلم منهم تلك النيّة الطيّبة، وفّقهم وأعانهم حتّى بلغوا تلك الدرجات العلا، وصاروا مضرب مثلٍ لمَن بعدهم في مثل هذه الميادين.
إنّه قد أثّر على أذهانهم، فوجّه تفكير عقولهم، وقوّى فيهم اليقين في إعانة ربّهم لهم، وصحّح لهم خريطة عملهم، فوجّهها الوجهة الصحيحة، وما ذلك إلاّ لأنّهم أعطوا الثقة الكاملة والقويّة فيه بأنّه سيبلّغهم الدرجات العلا، وسيصلون به إلى تحقيق كلّ ما يتمنّونه في هذه الحياة الدنيا، وبه يصلون إلى أعلى علّيين في الجنّة إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.