بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢فنجد فيه أنّ جبريل - عليه السلام - قد اهتمّ اهتماماً كبيراً ليجلب انتباهه، ويتوجّه إليه بكامل طاقته، فجلس أمامه جلوس المتواضع، وقابله بوجهه، وبكامل أعضائه، كي يستقبل ما سيلقيه إليه بنفسٍ منشرحةٍ متفتّحةٍ، وقد جاءه بهيئةٍ نظيفةٍ تجلب النفس، وتملأها ثقةً، وذلك من المؤثّرات التي تفتح كوامن النفس لتتلقّى ما يُلقى إليها بعنايةٍ.
وتحفيظ القرآن للولد الصغير بمثل هذا الاهتمام يعين المربّي على التحاور معه من أجل أن يشجّعه ويثني عليه، ويفتح لديه مجالاتٍ واسعةً للمناقشة، وهذا الأسلوب يعدّ من أهمّ الطرق للإبقاء على السلوكيّات السليمة في نفس الولد، والتي تجعله يتلقّى بشكلٍ أفضل وأتقن، وبهذه الطريقة نحرّك فيه روح التلقّي بثقةٍ وتواضعٍ، ونحرّك فيه الدافع الذاتي لكي يثابر ويطوّر نفسه بنفسه.
وتلقين الولد آياتٍ قرآنيّةٍ يوميّاً، وإعادته لتلك الآيات، يعلّمه طلاقة الكلام، ويساعده على ترتيب أفكاره، ويمرّنه على الإصغاء والفهم وتنميّة شخصيّته، وتقويّة ذاكرته، وبذلك يتعلّم الوالدان أنفسهما مهارة الاستماع إلى حديث الأولاد، وفهمهم، وهذه المهارة تعدّ شفرةً معقّدةً، يجب على الوالدين فكّها.
وإقناع الأولاد أنّهم يستطيعون تحقيق أهدافٍ هائلةٍ في الحياة بعد حفظ بعض الآيات، أو سورةٍ من السور القصيرة، يكوّن فيهم اعتقاداً كبيراً بأنّهم سينجحون في مستقبل حياتهم، لأنّ الاعتقاد الذي يغرس في نفس الإنسان وهو صغيرٌ هو الذي يحدّد ما سيكون عليه في مستقبل حياته، والولد سيتكوّن لديه اعتقادٌ بأنّ طاقاته ليس لها حدود، وذلك بما يحفظه من السور الواحدة تلو الأخرى، ولو اعتقد أنّ حياته تحدّها حدودٌ ضيّقةٌ، فإنّ تلك الحدود ستصبح فجأةً أمراً واقعاً في حياته المستقبليّة.