بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٠٤

القاعدة التي تتحكّم في مختلف أنواع التعليم أنّه كلّما زاد تكرار المعلومة من طرف المعلّم، وزاد سماعها من طرف المتعلّم ـ والتي تسمّى بالمداخلات الحسّية ــ كلّما زاد الانتباه، وهذا ممّا يزيد من قوّة استيعاب المخّ، ويؤكّد علماء النفس أنّ الأولاد الذين تتحدّث معهم أمّهاتهم كثيراً تتكوّن لديهم حصيلةٌ غزيرةٌ من المفردات، وهذا كتاب ربّنا بين أيدينا، ومفرداته كثيرةٌ ومتينةٌ وغزيرةٌ، لأنّها من كلام خالق العقل البشري، وخالق قدراته وطاقاته، وهي قويّةٌ، لأنّها تستمدّ قوّتها من قوّة العزيز الجبّار، فلماذا لا نجعله محور تحاورنا مع أولادنا، حتّى يستفيدوا منه أكثر من أيّ علمٍ آخر نحادثهم فيه.

وقد خلق الله - عز وجل - في الولد الصغير منذ سنواته الأولى شبكاتٍ عصبيّةً للغة مرتبطةً بالمراكز السمعيّة والكلاميّة والفهم، وهي تتشكّل بسرعةٍ فائقةٍ منذ السنوات الأولى من عمره، وهذه الارتباطات هي التي تكوّن طرقاً قويّةً في الأعصاب التي تربط بين الخلايا الدماغيّة، يستخدمها لمعالجة الكلمات التي يسمعها، والكلمات التي ينطق بها، فيما يستقبله من حياته.

والولد الذي يتعلّم لغتين، أو ثلاثة خلال الفترة الخصبة لتعلّم اللغة، ينطق كلّ لغةٍ بطريقةٍ خاصّةٍ، تتكوّن لديه حسب طريقة النطق التي ينطق بها معلّمه الذي علّم له تلك اللغة، فإذا سمع لغة في المنزل من طرف أمّه، وأخرى من مشرفة الروضة، وثالثةً في المدرسة، فنحن لا ندرك أنّه يتعلّم ثلاثة لغاتٍ معاً، ولا هو يدرك ذلك من جهته، ولكنّه يفهم أنّه لكي يحصل على ما يريد من أمّه، أو من المشرفة على الروضة، أو من معلّمه في المدرسة، فعليه أن يتكلّم مع كلّ واحدٍ منهم بالطريقة التي تعلّمها منه، فعندما نقارن تعلّم الطفل القرآن وتعلّمه اللغة في البيت، نجد أنّه يتعلّم لغتين في نفس الوقت، وبهذا تنشط أعصاب مخّه، وتقوى في تكوين مساراتٍ عصبيّةٍ جديدةٍ.

٣٠٤ / ٤٣٩