بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤وعلى المربّي أن يهتمّ بالطفل جيّداً في سبيل تكوين ذاكرته، فيعطي له في مثل هذا السنّ سطوراً قليلةً، يكلّفه بحفظها وضبطها بدقّةٍ تامّةٍ، ولا يزيد له شيئاً آخر غيرها، حتّى يستوعبها، كما يجب عليه أن يهوّن عليه مرارة العمل الذي يبدو شاقّاً عليه.
وقد ذكر ابن سيناء في كتاب [السياسة] آراءً ثمينةً في تربيّة الأولاد، ونصح بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرّد استعداده جسميّاً وعقليّاً للتعليم وفي الوقت نفسه يتعلّم حروف الهجاء والقراءة والكتابة، ويدرس قواعد الدين، ثمّ يروي الشعر.
وأظنّ أنّه بمجرّد أن يبدأ الولد بحفظ بعض الآيات من كلام ربّه - عز وجل -، فسوف يتعلّم تبعاً لذلك حروف الهجاء شيئاً فشيئاً، ويحفظ الكلمات، ويتعلّم كيفيّة النطق بها.
ومن القواعد التي وضعها الإسلام في تعليم الولد، البدء بتعليمه في مراحل الطفولة الأولى، حيث يكون الولد أصفى ذهناً، وأقوى ذاكرةً، وأنشط تعليماً.
إنّ المربّي الحاذق المخلص هو الذي ينزل بشخصيّته إلى طاقة ولده، فيظهر له أنّه يتعلّم معه ما كلّفه به، ويظهر له في بعض الأحيان أنّه يتأخّر عنه في الحفظ، ويوهمه أنّه قادر على أن يتعلّم أكثر ممّا يظنّ وعلى حسب مقدرة الولد على الحفظ والاستيعاب، يزيد له الكلمات والجمل.
ولعلّ أوّل خطوةٍ يجب على المعلّم القيام بها هو عمليّة تهدئة المتعلّم وأن يطمئنه أنّه قادرٌ على التعلّم، وبذلك يجني المربّي الثمرة المرجوّة من تليعمه وتحفيظه ما يستطيع حفظه واستيعابه.
وقد استنبط علماء التربيّة المسلمون هذه الطريقة من كلام الله - عز وجل - القرآن الكريم، والذي يقول فيه - سبحانه وتعالى - وهو يخاطب رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ … [القيامة:16ـ19]