بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٤فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي اخترع هذه الآلة الإنسانيّة، وعلم مكوّنات هذه الآلة، وما يصلح لها قبل خلقها، فوضع لها هذه المنظومة التربويّة التي تليق بها قبل أن يخلقها، فهو خالقها، ووحده يرسم لها الطريق الذي يوصلها إلى النجاح والفلاح، ويحدّد لها الهدف الذي يسعدها، ويملأها طمأنينةً وراحةً وفرحاً وسروراً.
هو يعلم ظواهر هذه النفس وبواطنها، يعلم سرّها وجهرها، يعلم نواياها كلّها، يعلم ما يدور في خلدها، وما يجري في داخلها، ما تتمنّاه، وما تصبو إليه، وما تشتهيه، وما تحبّه وتكرهه، بل ما يكوّن فيها تلك المحبّة، وذلك الكره.
إنّ علم العلماء والفلاسفة والتربويّين النفسانيّين عن هذه النفس مستنبط من دراستهم لها، وربّما تكون الدراسة ناقصةً، فيتوصّلون إلى معلوماتٍ ناقصةٍ، وهي مستوحاتٌ من بعض القواعد التي أظهرها الله - عز وجل - لهم، وما خفي منها أكبر بكثيرٍ، وأعقد ممّا ظهر لهم، ولذلك وضع الله - سبحانه وتعالى - خالق هذه النفس المنظومة التي تليق بها قبل أن يصنعها، وقبل أن يخرجها إلى الوجود.
علم البشر عن هذه النفس البشريّة مكتسبٌ، وفيه كثيرٌ من الخطأ، وقد اكتسبوا كثيراً من المتناقضات من تلك التجارب، اكتسبوها من الملاحظات التي لاحظوها في النفس الإنسانيّة، من علاقاتها بالواقع، وعلاقات عناصرها بعضها ببعض، ولكن الله - عز وجل - هو الذي قنّن القوانين النفسيّة، وهو الذي قعّد القواعد التي تليق بها في كتابه، هو الذي خصّ هذه النفس بخواصّها التي تختصّ بها، وقد ذكرها في كتابه القرآن الكريم.
- ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ … [الأنعام ـ 38]
وفرقٌ كبيرٌ بين أن يكتشف هؤلاء العلماء هذه العلاقات الموجودة في النفس الإنسانيّة، والتي فطرها عليها خالقها، وبين أن يخلقها فيها خالقها من العدم، ويوجد فيها تلك الخصائص التي تعيش معها طوال حياتها.