بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣وأنا أقول أنّ الخيال أو الذكاء الابتكاري يتكوّن في الولد عندما يجد أمّه بجانبه عند الذهاب إلى النوم فتقصّ عليه بعض القصص التي لم يكن قد سمع عنها من قبل، فتسبح به في أجواءٍ واسعةٍ جديدةٍ ممتعةٍ، لم يكن ليطّلع عليها وهو يعيش في محيطه المحدود الذي ينشأ فيه، أو عندما يتفرّج كثيراً على الرسوم المتحرّكة التي تلقي إليه الألغاز التي لا يجد لها حلولاً مناسبةً فيبقى حائراً مذبذباً لا يستطيع معرفة حقيقتها، خاصّةً وأنّ أغلبيّة الرسوم مستوحاة من بيئاتٍ غريبةٍ عن بيئته، ومن مجتمعٍ لا يتوافق مع مجتمعه.
وللخيال آثارٌ عظيمةٌ في بناء نفسيّة الولد وتكوين قواه العقليّة، لأنّه يساعده على أن يعيش في المستقبل، ويتخيّل أشياء جديدةً لم يكن قد علم بها، أو رآها، أو سمع بها من قبل، فيعمل على تنفيذها واختراعها، ولولا هذه المهارة لبقي الإنسان في جمودٍ وركودٍ عقليٍّ، لا يتقدّم معه أبداً.
والتخيّل الذي يتكوّن عادةً عند الولد الصغير هو من النوع الابتكاري وحينما يبلغ السنّ الرابعة من عمره، يبدأ بتخيّل أشياء وحوادث غير واقعيّةٍ، وربّما حدّث بها أمّه، أو أحد إخوته في البيت كأنّها واقعيّةٌ، حتّى يظنّ بعض الأولياء خطأً بأنّه قد بدأ يكذب، في حين أنّ ذلك يتكوّن فيه بصفةٍ عفويّةٍ.
وفي تحفيظ الولد الصغير مثل تلك السور الصغيرة، التي يحتوي أغلبها على قصصٍ قد وقعت من قبل لبعض الناس، فائدةٌ عظمى لتنميّة مثل هذا الخيال لديه، وهذا إذا أحسن تدريسها له، بشيءٍ من الشرح البسيط لتلك القصص، وذكر الوقائع التي ذكرها الله - عز وجل - في تلك السور، ولا بدّ أنّ الله - سبحانه وتعالى - منزّل القرآن وخالق عقل الإنسان، قد تعبّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بترتيب السور على هذا النحو، لأنّه يعلم ما فيه من منفعةٍ عظيمةٍ، وتأثيرٍ بليغٍ على كلّ من يهتمّ بحفظه وفهمه منذ نعومة أظفاره، وطبعاً فذلك لا يكون إلاّ بإعانة الوالدين، والأمّ خاصّةً.