بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٥٥

قال سهل بن عبد الله التستري: «كنت أنا ابن ثلاث سنين أقوم الليل، فأنظر إلى صلاة خالي محمّد بن سوارٍ، فقال لي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلّبك في فراشك ثلاث مرّاتٍ من غير أن تحرّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي، ثمّ أعلمته، فقال: قل في كلّ ليلةٍ سبع مرّاتٍ، فقلت ذلك، ثمّ أعلمته، فقال: قل ذلك كلّ ليلةٍ إحدى عشر مرّة، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته، فلمّا كان بعد سنةٍ، قال لي خالي: احفظ ما علّمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوةً في سرّي.

ثمّ قال لي يوماً: يا سهل من كان الله معه، وناظراً إليه، وشاهده، أيعصيه؟ إيّاك والمعصيّة».

وبهذا التوجيه السديد، والترويض المستمرّ والتربيّة الإيمانيّة الحقّة، كوّن في قلبه تصوّراً عميقاً لطاعة ربّه، حتّى أصبح من كبار العلماء وكبار العارفين ومن رجال الله الصالحين.

وعندما يسلك الآباء والأمّهات مثل هذه التربيّة بتكوين تصوّراتٍ راقيّةٍ في نفوس الأجيال الصاعدة، فإنّهم بذلك يكوّنون في ذواتهم آفاقاً واسعةً لا متناهيّةً للتفكير ممّا يدفعهم إلى الإبداع.

وعلى الأمّ خاصّةً أن لا تترك فرصةً سانحةً تمرّ بالولد دون بناء مثل هذه التصوّرات في نفسيّته، ومثل هذا التوجيه هو من أسلوب المربيّ والمعلّم الأوّل لعناصر هذه الأمّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان يسعى دائماً إلى أن يوجّه عناصر أمّته إلى النظر في ما خلق الله - عز وجل - من حولهم من المخلوقات، مع محاورتهم بكلّ طلاقةٍ وانفتاحٍ في مختلف المواضيع، حتّى يبني فيهم التفكير الصحيح الذي يرفع من شأنهم.

٣٥٥ / ٤٣٩