بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨ومن أعظم الوسائل التي تعين على حفظ آي القرآن الكريم أن يشرح المربّي الألفاظ التي ينوي تحفيظها للولد، وتفسير معانيها تفسيراً مبسّطاً ومختصراً في جوّ من الحوار، وإسقاط الوسط الواقعي المعيش على معانيها، وذلك بقدر ما يتوصّل إليه فهم الولد، مع خلق جوٍّ من التفاعل بينه وبين الطفل.
وقد تعامل الصحابة الأوّلون مع القرآن الكريم على هذا الأساس، وعلى هذا التصوّر، فكوّن فيهم ذلك التفكير الإيجابيّ الذي قضوا به حياتهم الدنيويّة في طمأنينةٍ وسلامٍ مع أنفسهم، وذلك رغم الضعف المادّي الذي كانوا يعيشون فيه، ولكن الغنى النفسي الذي أسّسه فيهم جعلهم يتغلّبون على الصعوبات المادّية التي تحيط بهم، بل أكثر من ذلك فقد غيّر فيهم التصوّرات الجاهليّة التي كانت تسيطر على تفكيرهم قبل دخلوهم إلى دين الله - عز وجل -، وذلك نتيجةً لتعاملهم معه على حقيقته ككتاب هدايةٍ وتغييرٍ، وتكوينٍ للتفكير، ومنبعٍ للإيمان، يصحّح من تفكير صاحبه كلّما تزوّد منه أكثر، وبطريقةٍ أحسن.
يقول جندب بن عبد الله: «كنّا مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - ونحن فتيانٌ حزاير، فتعلّمنا الإيمان قبل القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن، فازددنا إيماناً».
وحزايرٌ، جمع حزيرٍ: وهو الشاب الممتلئ نشاطاً وقوّةً وجلداً.
والقرآن الكريم يبني في قارئه قوّة التفكير بتدبّره بشكلٍ حسنٍ، وبذلك يصل القارئ إلى إدراك المعنى الذي ترمي إليه الآية، فتتكوّن لديه أفكارٌ جديدةٌ لم يكن يعرفها من قبل، ولم يكن ليدركها لولا تدبّره الجيّد لكلام ربّه.
والوصول إلى هذه الدرجة يستدعي القراءة المتكرّرة، حتّى يتصاعد تأثيرها في النفس، فيقوى التفكير لديها ويصعد بها إلى الدرجة العالية التي ما كانت لتبلغها لولا تعلّمها للقرآن الكريم وحفظه وتدبّره.