بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٦إنّ أعظم جهازٍ يصنعه الإنسان، وإنّ أعظم آلةٍ معقّدةٍ، حاسوب يعمل إلكترونيّاً ومركّبات فضاءٍ، تصعد إلى القمر، وترجع بأمانٍ، ومجاهر تكبّر الكائنات الصغيرة مئات الآلاف المرّات، كلّ ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ شيئاً بدائيّاً أمام بناء مكوّنات الجسم الإنساني، فكيف به إذا قورنت بالنفس، فهي تصبح كلا شيءٍ، بل هي عبارةٌ عن لا شيء أمام جهاز واحد في جسم الإنسان، وهو الدماغ الذي يعدّ أعظم معجزةٍ في هذه الدنيا كلّها.
إنّ كلّ خليّةٍ قشريّةٍ ي دماغ الإنسان فيها المحاكاة، فيها التصوّر والتذكّر، والتخيّل، فيها السمع والبصر، والحسّ باللمس والضغط، وكلّ خليّةٍ في جسم هذا الإنسان هي عبارةٌ عن دولةٍ مستقلّةٍ، فيها وزاراتٌ متعدّدةٌ، فيها وزارةٌ داخليّةٌ، فيها وزارةٌ خارجيّةٌ، فيها وزارة دفاعٍ، فإذا كان هذا المخلوق على هذا التعقيد من الناحيّة الجسميّة، فكيف يكون يا ترى من الناحيّة النفسيّة الروحيّة، وإذا كان هناك كثيرٌ من الأمراض الجسميّة لا يستطيع الإنسان معالجتها رغم التقدّم العلمي الباهر في هذا الميدان، فكيف يستطيع أن يقوم ببنائها وتربيّتها بمنظومة تربويّة يضعها لنفسه.
لو درسنا جسم الإنسان لوجدناه يتركّب من العجب العجاب من الأجهزة المعقدّة، فكيف به هذه النفس التي هي شيءٌ مبهمٌ، والتي هي عبارةٌ عن أحاسيس، ومشاعر، وميولاتٍ، وتصوّراتٍ.
- ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ … [الإسراء ـ 85]
فإذا كانت المنظومات التي يضعها البشر ليسيّر بها الآلات التي هي من اختراعه وصنعه تفشل، فلا تقدر على أن تسيّرها بصورةٍ صحيحةٍ وكاملةٍ، فكيف يريد أن يسيّر بمنظوماته الوضعيّة هذه النفس التي خلقها وصنعها ربّها في أحسن تقويمٍ، وقد علم ما يصلح لها وما يليق بها قبل أن يخلقها، وقبل أن يوجدها.