بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨﴿ربّ العالمين﴾: نشعر الطفل بأنّ الله - عز وجل - هو المالك لكلّ شيءٍ المتصرّف فيه كما يريد، ومن بين تلك الأشياء ذاته وجسمه، وهو الذي يتصرّف فيه بالإصلاح وبالرعاية والتربيّة، وأنّه لم يخلق الكون، ولم يخلقه ثمّ يتركه دون رعايةٍ وتوجيهٍ ورقابةٍ، لذلك فالصلة بين الخالق والخلائق دائمةٌ ممتدّة قائمةٌ في كلّ وقتٍ، وفي كلّ حينٍ.
وبداية القرآن الكريم بهذه الآيات الكريمة في أوّل سورة الفاتحة هي لشدّة عنايته - سبحانه وتعالى - بتقرير وتحديد التصوّر الذي يجب أن يستقرّ عليه الضمير الإنساني في أمر الله - سبحانه وتعالى - وصفاته وعلاقته بالخلائق، وعلاقة الخلائق به - سبحانه وتعالى -.
وعندما يفهم معنى قوله تعالى ﴿وإيّاك نستعين﴾ فإنّه يشعر بقوّةٍ كبيرةٍ تغمره، بحيث يثق بنفسه ثقةً مستمدّةً من قوّة ربّه - سبحانه وتعالى -، فيندفع في ميدان العمل والتضحيّة والجدّ والاجتهاد، لأنّه يعتمد على الاستعانة بربّه - سبحانه وتعالى -، وتقدّم في ميدان النجاح والتفوّق.
وإذا ما أحسن المربّي تبيين معاني هذه الآيات للولد، واستطاع تحديد التصوّر الواضح في ذهنه، نشأ على أساسٍ صحيحٍ قويٍّ من الاعتقاد والإيمان.
سورة الناس
وعندما نعلّمهم مثلاً سورة الناس، ونشرح لهم بعض أغراضها باختصارٍ، كما ذكر ذلك المفسّر الطاهر بن عاشور، فقال:
«إنّ هذه السورة ترشد النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن يتعوّد بالله - عز وجل - ربّه من شرّ الوسواس الذي يحاول إفساد عمله - صلى الله عليه وسلم -، وإفساد إرشاده للناس، ويلقي في نفوسهم الإعراض عن دعوته.
وفي هذا الأمر إيماءٌ إلى أنّ الله - عز وجل - معيذه من ذلك، وعاصمه في نفسه من تسلّط وسوسة الوسواس عليه، ومتمّمٌ دعوته حتّى تعمّ في الناس إلى يوم الدين»(1)
(1) تفسير التحرير والتنوير.