بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٩٦

ــ الامتثال: إنّ الإنسان قوّةٌ روحيّةٌ ومادّيةٌ، فقواه الروحيّة تدعوه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولكن قواه المادّية من جهة أخرى تجذبه عكس ذلك الاتّجاه، فإذا أطاع قواه الروحيّة نجح في امتثال الأوامر، أوامر ربّه، أوامر والديه، أوامر وطنه، أوامر مجتمعه كمنظومةٍ جماعيّةٍ ينتمي إليها، وعليه أن يسير حسب عاداتها وتقاليدها، حتّى يحفظ لتلك المجموعة التي ينتمي إليها قوّتها، ويعيش في وسطها عزيز النفس، موفور القدر، عالي القيمة، وهو يشعر بكرامته داخل ذلك المجتمع، ولكن إذا انقاد وراء تحقيق رغباته الجسمانيّة، فإنّه سيسير في الطريق التي تهلكه، وتسقط من قيمته كإنسان.

إنّ الإرادة الحرّة التي لا تمتثل لما يرشد إليه كلام الله - سبحانه وتعالى - تتحرّك دائماً بعيداً عن الروح، وسوف تبدو الحياة لمن تتحّكم فيه مثل هذه الإرادة على أنّها صراع، وتنقص من معدّلات الطاقة التي تتدفّق بداخله، وقد تشعره في الأخير باليأس والعجز والتيه.

ولماذا يا ترى يصل بعض الناس إلى مثل هذه الحالة؟

ذلك لأنّه بعد أن يطلق العنان لإرادته، ويتمنّى أن يصل إلى أشياء وأهداف، ولكن يجد نفسه في الواقع لا يستطع الوصول إليها، فعند ذلك تمتلئ نفسه باليأس.

بينما عندما يشعر بأنّه ملزمٌ بامتثال أوامر ربّه، ففي ذلك الحين يحكّم روحه في توجيه إرادته، فيعيش في توازنٍ نفسيٍّ عميقٍ وقويٍّ، فيسجّل داخل نفسه ما أرشده إليه ربّه، وهو يقول له - سبحانه وتعالى -:

- ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة ـ 51]

وقد قال رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء:

«إنّ لكلّ شيءٍ حقيقةً، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه».(1)

(1) أخرجه الإمام أحمد.

٣٩٦ / ٤٣٩