بناء العبقري بالتربية القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٩٩

فكلّما حاول الولد تقليد صوت أمّه الحسن، أو صوت مجوّدٍ للقرآن دون تكلّفٍ منه، ومن دون شعورٍ، فإنّ الآية ترسخ في ذهنه بشكلٍ أحسن وأقوى، فهو يعيد تلك الآية بذلك الصوت الحسن وهو في البيت، ليجلب اهتمام أمّه وأبيه، أو من حوله، يعيدها وهو ذاهبٌ إلى المدرسة، وهو راجعٌ منها، فيصير لسانه رطباً بقراءة كلام ربّه - سبحانه وتعالى -.

ومن أجل ذلك يأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بتحسين القرآن بأصواتهم.

فالمرء يجد لذّة عظيمة في قراءة القرآن الكريم بتجويدٍ وترتيلٍ.

دع القارئ مثل عبد الباسط أو السديس يقرأ بقواعد التجويد، ويرتّل القرآن حقّ ترتيله، ثمّ انتبذ منه مكاناً قصيّاً، لا تسمع فيه إلاّ جرس حروفه فقط، وتسمع كذلك حركاتها وسكناتها، ومدّاتها وغنّاتها، واتصالاتها وانقطاعاتها، ثمّ ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتيّة، وقد جُرّدت تجريداً في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحنٍ غريبٍ عجيبٍ، لا تجده في كلام آخر مهما كان نظمه، أو جوّد هذا التجويد.

سوف تجد اتسّاقاً وائتلافاً يسترعي من سمعك ونفسك ما لا يسترعيه أيّ كلامٍ آخر منظومٍ من شعرٍ أو موسيقى أو أيّ فنٍّ آخر، في حين أنّه ليس بأنغام الموسيقى، ولا بأوزان الشعر.

والإنسان عند الاستماع إلى القرآن في لحنٍ متنوّعٍ ومتجدّدٍ، ينتقل فيه بين أوتارٍ وأوزانٍ وفواصل، وذلك على أصواتٍ مختلفةٍ يأخذ منها كلّ وترٍ من أوتار قلبه بنصيبٍ متساوٍ، فلا يملّ منه على كثرة ترداده ولا يسأم، بل لا يفتأ، ولا يلبث أن يطلب منه المزيد.

وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:

«وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه».(1)

(1) أخرجه الترمذي.

٣٩٩ / ٤٣٩