بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٠٠يقول الدكتور دراز: «هذا الجمال الصوتي التوقيعي الذي ضمنّه ربّنا - عز وجل - كلامه الكريم لا يخفى على أحدٍ ممّن يسمعه بانتباهٍ وتركيزٍ، ولو كان من الذين لا يعرفون اللغة العربيّة، ومع جماله التوقيعي، هناك جماله التنسيقي في رصف حروفه وتركيبه من مجموعاتٍ مؤتلفةٍ مختلفةٍ، ممّا يزيد من قوّة تأثيره على المشاعر».
ولولا الإطالة لذكرنا بعض مواضع حروف الجرّ، وحروف العطف، التي ذكرها المفسّرون، وهي لا تعدّ.
«فتنظيم حروفه ورصفها، وترتيب أوضاعها فيما بينها في اتّساقٍ عجيبٍ:
هذا يصفّر، وذاك ينقر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمّ جرّاً، فترى الجمال اللغوي ماثلاً أمامك في مجموعةٍ مختلفةٍ مؤتلفةٍ».
واكتشف العلماء بأنّ القراءة باللحن تبرز معاني الآيات، فتجذب الأسماع، وترقّق القلوب، خاصّةً عند نفس الولد البريئة، التي لم تتأثّر بعد بما حوله من آثار الحياة المادّية، ويعيش القارئ والسامع لحظات خشوعٍ وتفكّر، ربّما غفل عنها، أو لا يستشعرها عند سماعه لقراءةٍ عاديّةٍ، ولكن كلّ ذلك شرط أن لا يخلّ بقواعد التجويد من التمطّط والتفخيم الزائد عن الحدّ اللازم.
وكلّ خليّةٍ في الجسم تهتزّ بنظامٍ بديعٍ لا يحيد شعرة عن المسار الذي رسمه الله - سبحانه وتعالى - لها، ونتيجةً لذلك الاهتزاز تمتلئ النفس انشراحاً وفرحاً وسروراً.
والحمد لله الذي أنزل إلينا هذا القرآن الكريم على هذا الإيقاع والتنظيم الذي يحافظ على إيقاع هذه الخلايا.
وقراءته بنغمةٍ مفضّلةٍ لأحد القراء يساعد كثيراً على الحفظ الجيّد، لأنّ كثرة الاستماع إلى مشاهير القراء يجعل النفس تردّد تلك النغمة تلقائيّاً، وكلّما حاول الولد تقليد صوت أمّه، أو مربّيه بتلك النغمة تلقائيّاً، فإنّه يكرّر الآية عدّة مرّاتٍ دون أن يشعر حتّى يتقن تلك النغمة، وهو بذلك العمل يرسّخها في ذهنه لا شعوريّاً، ومن دون تعبٍ يذكر.