بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٠١وعلماء الأعصاب وجدوا أنّ خلايا الدماغ تهتزّ بطريقةٍ يجعلها تحافظ على نظامها، هذا النظام الذي يعطي ويحقّق للخلايا الجسديّة اهتزازها الذي يجب أن تكون عليه، حتّى يبقى صاحبه في كامل صحّته وقواه، ووجدوها تتأثّر تأثيراً عجيباً بالأصوات المختلفة، خاصّةً الألحان الحسنة، وما اهتزاز الجسم عند سماع الغناء والموسيقى إلاّ نتيجةً لاهتزاز تلك الذرّات الجسميّة.
وربّما من أجل هذا السرّ نجد أنّ القرّاء يتمايلون عند تجويدهم للقرآن الكريم تمايلاً عجيباً، وكذلك من جهة أخرى المستمعين إليهم بانتباه وتركيز، وكلّ ذلك ناتج ربّما من تمايل ذرّات الجسم التي تتركب منها كلّ أعضائه. وصدق الله - عز وجل - حين قال:
- ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأعراف ـ 204]
ومن خلال التجارب المختلفة اكتشف الخبراء بأنّ الصوت الحسن يؤثّر تأثيراً طيّباً في النفس، ويزيد في ذلك الخشوع والتدبّر، ولذلك يستحبّ للقارئ أن يحسّن صوته بتلاوة كلام ربّه - جل جلاله -، وأن يرتّله بلحنٍ يدلّ على الخشوع والتأثّر.
فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«ما أذن الله لشيءٍ، ما أذن لنبيء حسن الصوت يتغنّى بالقرآن، يجهر به».(1)
وقد أجمع العلماء من السلف - رضي الله عنه - ومن الصحابة والتابعين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتّى زاد حرفاً أو أخفاه فهو حرام.
ومن هنا نعلم بأنّ اللحن المطرب هو الذي لا يخرج لفظ القرآن الكريم عن صيغته بإدخال حركاتٍ فيه، أو قصر ممدودٍ، أو تمديد مقصورٍ، أو تمطيطٍ يختلّ به اللفظ، ويلتبس به المعنى.
والمستحبّ تحسين الصوت وترقيقه بقصد التأثّر والخشوع، لا بقصد الترنّم والطرب.
(1) أخرجه البخاري ومسلم.