بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨٠وإذا أرادت الأسرة أن توفّر لنفسها كثيراً من الجهد في بناء شخصيّة أولادها، فما عليها إلاّ أن تلجأ إلى تعليمهم كتاب ربّهم وهم في طفولتهم المبكّرة، خاصّةً وقد وصّانا بذلك رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي يعدّ أكبر مربٍّ للنفوس، ومكوّن للشخصيّات عبر التاريخ.
وهو القائل: «إنّما بعثت معلّماً».
ومن أجل ذلك فلابدّ للأسرة المسلمة أن تحرص على أن يكون القرآن الكريم هو أوّل ما تؤهّل به نفوس أولادها، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يبنيها بناءً متوازناً، ويكوّنها تكويناً سويّاً قويّاً، وفي هذا يقول ابن خلدون:
«القرآن هو أصل التعليم، الذي ينبني عليه ما يحصّل من الملكات».
وهذا هو ابن خلدون قد حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وتعلّم العلوم الكثيرة في اللغة والأدب والفقه والأصول والتفسير والحديث ونبغ في كلّ ما تعلّمه، وهو لم يبلغ بعد سنّ العشرين من عمره.
ولعلّ حفظه للقرآن في هذه السنّ المبكّرة هو الذي كوّن فيه هذه العبقريّة القليلة من نوعها بين بني البشر، ففتّق له ذهنه، وقوّى له وصلات خلايا دماغه، حتّى أصبح لديه مثل هذه الحافظة القويّة.
وبتعليم الأمّ القرآن لولدها، تحقّق دوره الإيجابي، وتبني فيه الركائز الثلاثة للطمأنينة وهي: الحبّ والثبات والتقبّل، هذه الركائز الضروريّة لتكوين شخصيّة الولد وتميّزه العاطفي والنفسي والتعليمي بصفةٍ خاصّة، وهو الذي يُشعر الولد بأنّه مقبول لذاته لا كما يشاؤه الآخرون، وهذا الحبّ ليس غاية في حدّ ذاته، بل يعدّ وسيلةً تتحدّد من خلالها حياة الولد المستقبليّة، إذ يدوم معه إلى ما لا نهاية في نفسيّةٍ راشدةٍ قويّة الثقة بقدراتها، وقد اكتشف العلماء أن انعدام هذا الإحساس يحدث مختلف الاضطرابات النفسيّة عند الولد في مسيرة حياته المستقبليّة.