بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨٨إنّها مهاراتٌ غير يسيرة التعليم، أو التدريب عليها، لأنّها تحتاج إلى جهدٍ متواصلٍ، وأوقاتٍ طويلةٍ، وتضحيّاتٍ جسامٍ لا يستطيع القيام بها إلاّ قلب تلك الأمّ الحنون التي لا تحبّ إلاّ الخير والنجاح لولدها في هذه الحياة، وتستلزم تغييراتٍ وتعديلاتٍ كثيرةً في سلوكيّات الوالدين والمربّين والمعلّمين، وتطوير أدائهم التربوي، لأنّ محاولة فهم ما بالنفوس، وتغيير ما بها، يعدّ أصعب وأعقد شيءٍ في هذا الوجود، والخطوة المهمّة التي يجب أن تقوم بها كلّ الأمّهات هي أن يفهمن جّيداً بأنّ هناك خللاً في الأساس التربوي للأمّ، هو الذي أدّى بها إلى هذا التردّي وهذا الانحطاط، لأنّ الإنسان إذا ما فهم بأنّه ناقصٌ في ناحيّة من النواحي، فإنّه يحاول بكلّ ما أوتي من قوّةٍ، ويستغلّ كلّ ما بين يديه من إمكانيّاتٍ حتّى يجبر ذلك النقص الذي يشعر به.
والله - سبحانه وتعالى - قد أنزل القرآن الكريم من السماء ليكون كتاب تربيّةٍ وتوجيهٍ وهدايةٍ للتي هي أحسن، وكتاب تقويمٍ لهذا المخلوق الضعيف، إذا ما وجد من يرشده إليه، ويحبّبه إلى نفسه في سنٍّ مبكّرةٍ، ولكن الأولياء قد أعرضوا عن استعماله في تربيّة أولادهم منذ السنوات الأولى إعراضاً كلّياً، لأنّهم يعتقدون أنّ بداية حفظه وتلاوته يكون عند الكبر فقط، فتجدهم لا يهتمّون بتعليمه للأولاد الصغار بحجة أنّهم لا يفهمون ما يقرؤون.
وهذا الكنز التربوي الذي بين أيدينا له قوّة تأثيرٍ هائلةٍ لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها، التي قد ضمنها له منزّله، ولقد ضرب لنا ربّنا - عز وجل - بعض الأمثلة التي تبيّن ذلك لنذرك قيمة هذه المعجزة التي غفلنا عنها، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد ـ 31]
ويقول المفسّرون بأنّ جواب الشرط محذوف، وتقديره: لكان هذا القرآن.