بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٩٢والوليد يخرج إلى هذه الحياة، وهو يملك قوىً جسميّةً وعقليّةً متشابهةً متقاربةً نسبيّاً مع أقرانه وأمثاله من بني جيله، إلاّ في القليل النادر، وذلك في حالاتٍ خاصّةٍ معيّنةٍ، ولكن نجد هذا يكبر وهو غبيٌّ جدّاً لأنّ والديه غفلا عنه في مرحلة الطفولة، فلم يهتمّوا بتطوير خلايا مخّه بما يقدّم لها من الغذاء الذهني والمثيرات العصبيّة اللازمة لتنميّة الدماغ لديه، وتطوير تفكيره، فضعفت ملكاته العقليّة، وهذا ذكيٌّ جدّاً لأنّ عوامل الوراثة قد اجتمعت لدى والديه، وترعرع في بيت حكمةٍ وثقافةٍ عاليّةٍ، فكان ذلك سبباً لتغذيّة خلايا دماغه تغذيّةً كاملةً قويّةً فتطوّر تفكيره بسرعةٍ وصار في قمّة الذكاء والتفوّق.
وما عدا ذلك فأغلبيّة الأولاد يولدون وهم يملكون أجساماً وعقولاً متقاربةً بالنسبة للمحيط الذي يعيشون فيه، والبيئة التي يترعرعون فيها، وجميعهم يخضعون بعد عامل الوراثة إلى عوامل أخرى عميقةٍ وشديدة التأثير على قواهم الفكريّة التي وهبها لهم ربّهم - عز وجل -.
فإهمال الآباء معاونة الطبيعة، وغفلتهم عن تنميّة عقول أولادهم يعود على الجيل بأسوأ الأضرار، لأنّ العقل يعدّ مثل أيّ عضوٍ في جسم المولود، فإذا ما درّب تدريباً جيّداً مثل تدرّب الأرجل والأيدي كبر حجمه وازدادت فعاليّته، فيصبح قويّاً نشطاً، أمّا إذا ترك على حالته فيبقى ضعيفاً غير فعّالٍ، لا يؤدّي مهامّه بقوّةٍ، وأغلبيّة الناس يكرهون ذلك.
إنّ دماغ الولد إذا أهمل، ولم تقدّم له التمارين الفكريّة الجيّدة، التي تدفعه إلى التفكير القويّ، فإنّ مراكزه الحسّاسة تبقى هاجعةً ضعيفةً واهيّةً، أمّا إذا تمّ تشغيله بصفةٍ جيّدةٍ توسّعت عروقه الدمويّة، فتجلب إليه الغذاء اللازم، وتنمو حجيراته، ويتّسع سطحه، ويزداد نشاطه، فيتّصف صاحبه بالذكاء والإبداع، وهكذا ينمو دماغه شيئاً فشيئاً، حتّى يصبح ذلك عادةً فيه وطبيعةً في مستقبل أيّامه في هذه الحياة الدنيا.