بناء العبقري بالتربية القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٩٦وكما يقول العلماء: إنّ الولد يلهو بالحفظ كما يلهو بأيّ شيءٍ يعترض طريقه، وأنّ الحفظ سهلٌ عليه، فإذا شغلناه بما يطوّره وينمّيه، فسيصبح فيه مهارةً قويّةً وسهلةً، وتمتدّ معه تدريجيّا إلى سنّ الرابعة عشر، وقد نبّهنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّ أفضل وأرقى ما ننمّي به ذاكرة أولادنا ونستغلّها فيه، هو تحفيظه كلام ربّهم - عز وجل - في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث يكون فيها العقل في طور النموّ، فيتزايد حفظه وترسيخه مع نموّ ذاكرته، فيقع حبّه في قلبه، خاصّةً إذا كان ذلك الاهتمام، وذلك التلقين من أعزّ وأحبّ الناس إليه في هذه الحياة، أمّه العزيزة والحبيبة إليه، حيث يميل بقوّةٍ إلى ما تميل إليه.
ولقد أرشد ابن سيناء في كتاب السياسة بالبدء بتعليم الولد القرآن الكريم، بمجرّد استعداده جسميّاً وعقليّاً لهذا التعليم، ليرضع اللغة الأصليّة، وترسخ في نفسه معالم الإيمان.
وأوصى الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بتحفيظ القرآن الكريم للأطفال الصغار، والأحاديث النبويّة التي صدرت من خير خلق الله.
وأشار ابن خلدون في مقدّمته إلى أهميّة تعليم القرآن الكريم للأولاد وتحفيظهم إيّاه، وأوضح أنّ تعليم القرآن الكريم هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسيّة، لأنّه شعار من شعائر الدين، حيث يؤدّي إلى تثبيت العقيدة، ورسوخ الإيمان.
ولقد وعى الصحابة والتابعون وعلماء الأمّة في عصورها الأولى أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإرشاداته إلى أنّ تعلّم الصغار منذ بداية إدراكهم، يؤثّر فيهم تأثيراً إيجابيّاً في نشوء التفكير العلمي لديهم، ويجعلهم أقوى وأثبت ذاكرة، وذلك بما يرسخ فيها، ممّا يجعل ذاكرتهم تحافظ على قوّتها فيما يستقبل من الأيّام.