شواهد من الإعجاز التجويدي في رواية ورش من طريق الأزرق لصالح الراعي - ب مسابقة
الجزء ١ · صفحة ٢٥نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوَّم به، ممَّا هو السَّبب في جزالتها ودقّة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليفٍ صوتيٍّ يكاد يكون موسيقيًّا محضًا، في التّركيب، والتّناسب بين أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصّوت الذي يؤدّيه،… فكان ممّا لابدّ منه بالضّرورة أن يكون القرآن أمْلَكَ بهذه الصّفات كلِّها، وأن يكون ذلك التَّأليف أظهَرَ الوجوه التي نزل عليها، ثمَّ أن تتعدَّدَ فيه مناحي هذا التّأليف تعدُّدًا يكافئ الفروع اللّسانيّة التي سبقت بها فطرة اللّغة في العرب، حتى يستطيع كلّ عربيٍّ أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، توقيعًا يطلق من نفسه الأصوات الموسيقيَّة التي يشيع بها الطَّرب في هذه النَّفس، بما يسمُّونه في لغة العرب بيانًا وفصاحةً. وهو في لغة الحقيقة الموسيقى اللُّغوية.
وإذا تمَّ هذا النّظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدَّى به، ومع اليأس من معارضته، على ما يكون في نظمه من تقلُّب الصّور اللَّفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب، فقد تمّ له التَّمام كلُّه، وصار إعجازه إعجازًا للفطرة اللُّغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها: ومتى كان العجز فطريًا فقد ثبت بطبيعته، وإن لجَّ في النَّاس جميعًا؛ لأنَّه شيءٌ في تلك الفطرة يُفهَم منه صريحًا ثم لا تُنكِر هي موضعه منها وموقعه، وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جحده والانتفاء منه مراءً ومغالبةً»(1) .
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 46_47.