شواهد من الإعجاز التجويدي في القرآن الكريم برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي

شواهد من الإعجاز التجويدي في رواية ورش من طريق الأزرق لصالح الراعي - ب مسابقة

الجزء ١ · صفحة ٥٣

المثال الثّالث: قوله تعالى: ﴿ …﴾، فإنّها كلمةٌ من تسعة أحرفٍ، وهي على ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها».(1)

فالياء الذي قبله كسرةٌ إذًا هو سرّ روعة الكلمة مع إمكانية حذفه، أي تصبح الكلمة (فسيكفكهم) على جواز الحذف في مثل هذه الصيغة في اللغة، لكنّ الياء قلَّلَت من حدّة توالي الحركات.

فلو أنّ أديبًا ذكر هاته الكلمة في مقاله يمكن أن يختار حذف الياء على أسلوبه الخاصّ، لكنّها ما دامت ضمن أسلوب القرآن فلابدّ لها أن تُعجز السّامع بشيءٍ يبعثُ على الأريحية فتقرع سمعه، ثمّ تستقرّ في قلبه.

كلّ هذا بِسِرّ الياء فقط، دون أن ننسى الحروف جميعها وجرسها ودورها في بناء المعنى.

المثال الرابع: نأخذ هنا لونًا إعجازيًّا ذكره الرّافعي في كتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» ضمن تحليله لمدّ ما الزّائدة كما يَظنّ البعض فقال ما معناه:

أنّ الكلمات التي يُظنّ أنّها زائدةٌ في القرآن كما يقول النّحاة، فإنّ فيه من ذلك أحرفًا كقوله تعالى: ﴿ …﴾ فإنّ النّحاة يقولون إنّ «ما» في الآية زائدةٌ، ويذكرون هذا حين إعراب الجملة.

فيَظنّ من لا بصر له أنّه كذلك في النّظم ويقيس عليه، مع أنّ في هذه الزّيادة لونًا من ألوان التّصوير لو حُذف من الكلام لذهب بكثيرٍ من حسنه وروعته، فإنّ المراد بالآية تصوير لَيْن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لقومه، وإنّ ذلك رحمةٌ من الله، فجاء هذا المدّ في «ما» وصفًا لفظيًّا يُؤكّد معنى اللِّين ويفخِّمه، وفوق ذلك فإنّ لهجة النّطق به تشعر بانعطافٍ وعنايةٍ لا يُبتدأ هذا المعنى بأحسن منه في بلاغة السّياق.(2)

ثمّ إنّ حرف الميم المتوسّط بين الشّدّة والرّخاوة، يزيد للباء انسجامًا وروعةً لإبلاغِ معناه.

(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 229.

(2) _ المصدر السّابق: 231 (بتصرف).

٥٣ / ٨٩