مراتب المجتهدين... تقسيم جديد لنسيم باسالم
الجزء ١ · صفحة ١١وهنالك نوع من الاجتهاد أبْدع في تَفصيله الإمام الشَّاطبي، في حين أنَّ كثيرا من كتُب الأصول أغفلته ؛ وهو الاجتهاد في تَحقيق المناط؛ أو ما يسمى في لغة المعاصرين بالاجتهاد التنزيلي أو الاجتهاد التطبيقي… وهذا الاجتهاد في تنزيل الحكم الشرعي على ال عدَّه الإمام قسيم الاجتهاد في فهم النص، وأكد بأنه «لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة». والمَقصود بالاجتهاد في تحقيق المناط كما يعرفه الإمام "أن يَثبت حُكم ما بِمدركه الشرعي سالما من القادح والمُعارِض ويبقى النَّظر في تنزيله إلى مَحلِّه الذي يتَطلّب نوع اجتهاد"؛ إذ أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها وإنما أتت بأمور كلية وات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين. ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك والأفعال تقع في الوجود مطلقة وإنما تقع معينة مشخصة فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المُطلق أو ذلك العام. مثال أنَّ ذلك أننا قد علِمنا معنى العدالة شَرعا وعرفنا أركانها وشروطها، لكن يبقى لنا النظر فيمنْ تتحقق فيه هذه العدالة ومن ينبغي أن يُوصَف فِعلا بأنه عدل؛ إذ الناس معادن وأصناف مختلفة، ومَفهوم العدالة (ومعاييرها الاجتماعية والخلقية) قد يتغير بتغير الزمان والمكان. ومثاله أيضا تحقيقنا لمناط المِثلية في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وقِس على ذلك غيرها من الصور التي لا تَنحصر().