مراتب المجتهدين... تقسيم جديد لنسيم باسالم
الجزء ١ · صفحة ١٢وهذا الذي ذكره الإمام يسمى بتحقيق المناط العام؛ وهو كما عرفه:" نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما"؛ أي أن سمته العموم والتجريد، والحكم على الوقائع بصفة إجمالية أقرب إلى التقعيد منها إلى التشخيص؛ كما تبين لنا في مثال العدالة السابق وهنالك نوع آخر يسمى ب"تحقيق المناط الخاص"؛ وهو "نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية…» أو هو نظر «فيما يصلح بكل مكلف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص… فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نوراً يعرف النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها. فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناءً على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكليف…»؛ أي أن صاحب هذا الاجتهاد يلتفت إلى الوقائع في أدق خصوصياتها وملابساتها، فيحكم بناء على اجتهاده ومراعاته للواقع فيها.. فصاحب تحقيق المناط العام (كما يعبر الريسوني بعبارة موجزة) يجتهد لقضايا موصوفة مبينة، وصاحب المناط الخاص يجتهد لحالات معروفة معينة تحقيق المناط كخلاصة إذن هو الإجراء العملي لما حصل على مستوى الفهم التجريدي للأحكام الشرعية على واقع الأفعال، وتكييف السلوك بها، ولا يكون إلا بمعرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه. وهذا يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكه، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها… إذ من دون هذا لا يُؤمن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه… وعلى كلِّ فموضوع تحقيق المناط موضوع ذو شجون أكتفي في هذا المقام بهذا القدر على أمل أن أفرده بمقال خاص بحول الله… وبناء على ما سبق أرى أن المجتهد على ضربين اثنين: