فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٨الأول: أنه عان ويخصصه حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دور مكة ورباعها، فقد دخل على أهل مكة عنوة فسوغ لهم جميع ما بأيديهم من كسب أو غصب، وقد كان للمهاجرين المسلمين فيها دور خالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها فهنأهم لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولم يرد على أحد من المهاجرين داره ولا انتزعها من أيدي المغتصبين، ومن تلك الدور المغتصبة دوره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومولده ودور عبد المطلب، فإنها كانت بيد عقيل، ولما قال أسامة بن زيد لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام الفتح، وكان رحل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده: أين تنزل غداً يا رسول الله؟ قال: ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ"وهل ترك لنا عقيل من منزل، أنزل بالأبطح"، ومنها دار خديجة زوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنها ـ التي فيها مولد فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ رضوان الله عليها ـ، فإنها صارت إلى أبي سفيان، واغتصب أبو سفيان أيضاً دار أبي أحمد بن جحش فاستعدى عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يعده، فقال: يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان؟ فأعرض عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأتاه من عن يمينه فأعرض عنه، فأتاه من قبل شماله فأعرض عنه، ثم مضى وهو يقول معرضاً بأبي سفيان:
دار ابن عمك بعتها
تنفي بها عنك الغرامة
اذهب بها اذهب بها
طوقتها طوق الحمامة
وابتيعت تلك الدار بعد ذلك في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار، اشتراها أبان بن عثمان.
الوجه الثاني: أن إثبات الأموال للمشركين الغانمين لها إنما هو لأخذهم إياها مع اعتقادهم أنها حلال لهم، لا لمجرد تعنيهم في أخذها، فضلاً عن أن يستدل بأنه لا حق لعرقه، والذي هو تعنّيهم ومناولتهم.