فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٣١رابعها: أن المسألة تخرج عن دائرة الرأي إلى حكم الدين القطعي عندما تكون المعاملة سبباً للتذرع إلى ما حرم الله من الربا وأكل المال بالباطل، لذلك نص من نص من أولئك العلماء على لعن من وقع في ذلك والبراءة منه واستحقاقه وعيد الله الشديد لأكله الربا، وهو الذي يؤذن به كلام الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في جوهره كما سيأتي:
وبالجملة فإن لأصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ آراء في بيع الخيار، منهم من يرى بطلانه رأساً وفساداً أصلاً، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن شرطين في بيع، وقد عدّ قائل ذلك الشرط الخيار فيه بمثابة الشرطين لتركبه من أصل الخيار وتحديد زمنه، فضلاً عن كونه مظنة التذرع إلى الربا؛ ومنهم من يرى صحته حال انضباط المتعاملين به بأحكام الشريعة من غير مقارفة لشيء من حارم الله وهؤلاء اختلفوا في رأيين:
أولهما: أنه يثبت من يوم العقد فيترتب عليه استحقاق مشتريه لغلته مع تحمله لجميع مغارمه، بشرط أن يكون قصد امتلاك الأصل لا نفس الانتفاع بالغلة فحسب.
ثانيهما: أنه موقوف إلى انتهاء مدة الخيار وعليه ففي مغنمه وغرمه رأيان؛ قيل: لبائعه مغنمه ومغرمه لأنه لا يستحقه مشتريه إلا بمضي مدة الخيار، وقيل: بل هما يدوران مع أصله فإن رجع الأصل إلى البائع بحكم الخيار كان له مغنمه وعليه مغرمه، وإن استحقه مشتريه بمضي مدة الخيار مع عدم فسخ البائع لعقدة البيع بما له من حق الخيار أخذ معه مغنمه وتحمل مغرمه، وقد حرر هذا الخلاف الإمام السالمي ـ رضوان الله عليه ـ في جوهوه تحريراً لم يُسبق إليه، مع إنزاله قوارع إنكاره على الذين خلطوا بين فروع هذا الاختلاف وأصوله، فلم يلتزموا رد كل فرع إلى أصله، فنشأ عن هذا تذرع الناس بهذه المعاملة إلى أكل الحرام المحض والانغماس في رجس الربا الوبئ، وإليكم ما قاله بنصه وفصه:
إن الخيار في البيوع يوجد
بعلة أو بشرط تعقد
فالأول الموجود في الأخبار
أصوله في جملة الآثار