فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٢*ثانيها: أنه لا يكون في قراره نفس البائع انتقال ملك ما باع عنه، ولا في قرارة نفس المشتري انتقال ما اشتراه إليه، فعند كل منهما أن الملك إنما هو ملك البائع، وإنما المشتري مرتهن فحسب، ولذلك يسمونه رهنا، ولكنه رهن يستغله المشتري لمصلحته في مقابل الدين الذي على البائع، وهذا الاستغلال لا ريب في ربويته، ولو لم يكن من طريق مغرم يدفعه البائع على أن إيجار للعين المبيعة، فإن الرهن المشروع إنما هو توثيق للدين بحيث يقبض الدائن عينا يملكها المدين إلى أن يأتيه بحقه، ولا بد من قبضه كما قال تعالى: ﴿ فرهن مقبوضة ﴾ ، والأصل فيه أن يكون بيد ذي الحق ـ وهو الدائن ـ إلا أن اتفق مع المدين على أن يقبضه طرف ثالث يكون في حكم النائب عن المرتهن، ففي ذلك خلاف لأهل العلم مبسوط في موضعه، ويبطل الرهن ببقائه في يد الراهن، ومن كل هذه الوجوه تنأى هذه المعاملة كل النأي عن الرهن الشرعي، وإن سموها رهناً، كما أنها ليست من البيع في شيء، ولئن كانت بعيدة عن الرهن والبيع معا فهي لا تعدو أن تكون حيلة من أجل أكل الربا، فالعين المبيعة أو المرهونة ـ حسب قولهم ـ لا تخرج من يد البائع وإنما حسب المشتري منه أن يأتيه بريعها مدراراً حسبما اتفقا عليه؛ على أن ذلك إنما هو بمقدار الدين أو القرض وليس بمقدار الانتفاع بالعين كما ذكرته، على أن الرهن الشرعي لا يغلق بمضي مدة محددة بل يبقى ملك المرتهن للراهن، ففي الحديث " لا يغلق الرهن " وفي رواية زيادة على ذلك " لصاحبه غنمه وعليه غرمه "، وهو دليل على عدم جواز انتفاع المرتهن بمنفعته ـ وهو عكس ما جرى عليه العمل في بيع الخيار ـ اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مما يدل على جواز الانتفاع ببعض ما يرهن في مقابل نفقته إن كان يستدعي الإنفاق، ومن ذلك رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى