فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ١٣الأصل في الوصية أن لا تكون إلا بالثلث، (الثلث والثلث كثير)، هكذا قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وهذا في وصايا التبرعات، أما حقوق الناس فلا خلاف في أنها تخرج من أصل المال لا من الثلث؛ لأن حق الناس يتعلق بالمال كله، وأما حقوق الله ففيها خلاف، فمن العلماء من قال بأنها تخرج من أصل المال، ومنهم من قال بأنها تخرج من الثلث، والقول بإخراجها من الثلث هو قول الأكثرين من أصحابنا، فبه قال جم غفير منهم كموسى بن علي، وابن محبوب، وأبي سعيد، وأبي محمد، وأبي المؤثر وغيرهم، وإنما قال سليمان بن عثمان بأنها تخرج من أصل المال، وهذا القول يتبين لي رجحانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن حق الله تعالى مقدم على حق المخلوقين حيث قال: (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، فهذا يدل على أن دين المخلوقين ودين الله يشتركان في كونهما يقضيان جميعا، إنما دين الله أحق، فلأجل هذا لا ينبغي أن يقال بأن دين الله يخرج من ثلث المال، بينما دين المخلوقين يخرج من أصل المال.
هذا وإذا وافق الورثة عند حضور الموت على الوصية بأكثر من الثلث فلا مانع من ذلك، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾()، والمعنى: فلا إثم على من أصلح بين الموصي وبين ورثته، حتى يجنب الورثة الحيف والظلم، لئلا يكون قصد إلجاء المال عنهم، وفي نفس الوقت لا حرج أيضا أن يوافق الورثة على ذلك؛ لأن ذلك حق يتنازلون عنه.