فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٦فيقول الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين ﴾() هذه الآية من سورة البقرة، والآيتان اللتان بعدها تتحدث عن الوصية، كما ورد أيضا ذكرها في غير هذه السورة، إلا أن ما في هذه الآيات الثلاث من السورة من أحكام الوصية أبين وأشمل.
وهذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة من قبلها والتي تتحدث عن القصاص؛ لأن القصاص يفضي إلى الموت إذا كان هذا القصاص قتلا، وهو أيضا مُسَبّبٌ عن الموت؛ لأن القتل قصاصا إنما يكون عقوبة على القتل.
والوصية أمر ينفذ بعد موت الموصي، ولذلك من كان يترقب الموت بسبب أو آخر، أو محكوما عليه بالقصاص أحرى بأن يحرص على كتبها، لتكون حجة له عند ربه، وسببا لفوزه ونجاته، وبهذا تسقط الوجوه التي ذكرها بعض المفسرين في اتصال هذه الآيات بما قبلها، كقول بعضهم: إنها معطوفة علي ما قبلها، والتقدير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾()، و﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ ﴾()، ولكن أسقط العطف لأجل طول الكلام، فإن سقوطه لا دليل عليه، وإن حَمل على ذلك بعضهم أيضا قولَه تعالى: ﴿ لا يَصْلاهَا إِلاّ الأشقى الذي كذب وتولى ﴾() أي: إلا الأشقى والذي كذب وتولى. وهذا مدفوع.
والخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين خوطبوا من قبل بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾() ولم يتكرر الخطاب، حيث لم تبتدأ هذه الآية كما ابتدأت تلك بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾() لقرب هذا النداء الموجه إلى المؤمنين في ذلك الحكم.