فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٧ولم تعطف هذه الآية على ما قبلها، بل فصلت عنها لأجل بيان استقلالية هذا الحكم عن الحكم السابق، فإن وجوب الوصية ليس مشروطا بالقصاص، فإن كل أحد إذا حضره الموت فالوصية المطلوبة منه في هذه الآية واجبة عليه.
والمراد بـ ﴿ كُتِبَ ﴾(): فرض، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾()، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. و(إذا) هنا ظرفية تتعلق -على الصحيح- بقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾()، وهذا الكَتبُ الذي كتبه الله سبحانه وتعالى على عباده وإن كان أزليا فإنما يتوجه إلى العبد عندما يحضره الموت، فلذلك جاءت: ﴿ إذا ﴾() هنا بعد قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾() لتفيد أن هذا الأمر يلزم ويتحتم على العبد عندما تحضره أسباب الموت.
﴿ حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾(): حضور الموت عبارة عن حضور أسبابه، كالمرض الشديد ونحوه، مما هو مظنة لترتب الموت عليه كالحكم عليه بالقصاص، ففي هذه الحالة يتحتم على العبد أن يوصي كما فرض الله سبحانه وتعالى عليه. ولم يقل تعالى: إذا حضركم الموت، بل قال: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾() لأجل بيان أن هذا الأمر يتوجه إلى كل أحد بذاته، فهو واجب عيني يتحتم على جميع أفراد هذه الأمة، وليس متوجها إلى مجموعها، بخلاف قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ﴾() فإن القصاص لا يجب على كل أحد فردًا فردًا، وإنما يجب على من تسبب له، ويجب على الأمة بمجموعها أن تعين عليه، بحيث يتمكن ذو الحق من الاقتصاص ممن عليه الحق.
وأُخِّر الفاعل ﴿ الموت ﴾() وقدم المفعول ﴿ أَحَد ﴾() لأجل تأكيد هذا الوجوب، فإن تقديم المفعول هنا على فاعله يفيد الاهتمام، بأن كل أحدٍ يحضره الموت يتحتم عليه إنفاذ هذا الأمر إن توفر الشرط المذكور هنا.