فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٨فإن جميع هذه الوجوه يمكن أن تعتبر من الجنف والإثم؛ لأن فيها حيفاً على بعض الورثة، أو على كلهم أحياناً. فمن حضر شيئاً من ذلك فإنه يخاف من ذلك أن يكون الموصي قد جنف جنفا يفضي به إلى الإثم، فيحاول التقريب ما بينهم لينبهه بما هو أولى له ليباعده عن ذلك. ومن هنا ندرك أن الخوف كما يطلق على التوقع، والتوقع ظن، فإنه يطلق على العلم أيضاً؛ لأن قوة الظن تفضي إلى العلم، وبهذا يندرئ هذا الإشكال أيضا، حتى لو اعتبرت الحالة بعد وفاة الموصي؛ ذلك لأن هذا الذي يصلح ما بين أصحاب هذه الحقوق إنما ينطلق من معرفته بالجنف والإثم في هذه القضية، ولذلك فسر ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- الخوف هنا بالعلم، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والربيع بن هيثم أو الربيع بن أنس. وقد استبعد الفخر الرازي دخول الورثة في هذا الباب؛ نظرا إلى أنهم لم يسبق لهم ذكر، وإنما سبق ذكر الوصية والموصي، فيفهم من خلال ذلك أن المقصود الموصى لهم. ويكون المعنى: فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم أي: بين الموصى لهم. وقال: بأن المعنى أيضا لا يفيد دخول الورثة، فإنه لو أوصى بأكثر من الثلث لردت الوصية إلى الثلث، فلا يتوقع جنف أو إثم بجانب الورثة من خلال ذلك، ولو أوصى لبعض الورثة دون بعض ولم يرغب الآخرون لبطلت الوصية أيضا، فلا معنى لإدخال الورثة. ولكن من خلال ما فهمتموه من الصور التي ذكرتها من قبل يتبين أيضا احتمال دخول الورثة في ضمن الذين يقع الصلح بينهم في هذه القضية، فقد يتصور -كما ذكرت سابقاً- أن يوصي الموصي لبعض ورثته بدعوى أن عليه لهم ضمانا. ويحتمل أيضا أن يحاول أن يوصي للأبعدين غير الوارثين وصية يعود نفعها إلى بعض الوارثين، كوصيته لأزواج بناته، أو لأبنائهن، أو أبناء بنيه، أو نحو ذلك من الأسباب التي تفضي إلى حرمان بعض الورثة بعض حقوقهم. فكل ذلك مما يدخل في هذا الباب. وبناء على تفسير الخوف بالعلم، فإيثار هذه العبارة لما فيها من لطف