فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ١٦٦وأعظم من ذلك خطأ وأشد مخالفة للسنة عدم التزامهم إنشاء الصفوف وراء الإمام، فكثيراً ما يبدأون الصف الثاني والثالث في طرف الصف وغالب بدايتهم من الطرف الأيسر إمعاناً في مخالفة السنة، وإرضاء الشيطان ـ والعياذ بالله ـ والسنة صريحة في توسيط الإمام فقد روى أبو داود عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( وسطوا الإمام وسدوا الخلل ))، وأفظع من ذلك كله أن يدخل أحدهم المسجد فيرى الجماعة قائمة، وفي الصف الذي أمامه متسع، ولكن تأبى عليه نفسه أن يخطو خطوات يسيرة ليقف في الصف الذي مع المصلين، وإنما يقف صفاً وحده، فيأتم بالإمام ولا يبالي أن يقف وراء الصف على اليمين أو على اليسار، وصلاة مثل هذا باطلة، بل تبطل ـ على الصحيح صلاة ـ من يقف صفاً وحده، ولو لم يجد متسعاً في الصف الذي بين يديه وكان مستقبلاً لظهر الإمام، لما رواه أصحاب السنن ـ وصححه أحمد وابن خزيمة ـ عن وابصة بن معبد ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته، وروى نحوه ابن خزيمة وابن حبان من حديث علي بن شيبان، وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ))، وقد شدد في ذلك بشير بن المنذر ـ رحمه الله ـ وهو أحد حملة العلم إلى عمان ـ فقد روى عنه هاشم بن غيلان أنه سئل عن رجل دخل والناس في صلاتهم فقام خلفهم وحده ولم يجر أحداً، ولم يدخل في الصف وصلى بعض صلاته، ثم جاء واحد فقام معه؟ فقال بشير: صلاة الأول فاسدة وصلاة الداخل معه فاسدة، لأنه صلى مع رجل لا صلاة له. قال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان ـ يعني ابن عثمان ـ فقال: الذي دخل أصلح للأول صلاته، وتعقبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ بقوله: إن دخل بعد أن أحرم فلا صلاح، وكيف يصلح الفاسد؟ وإن دخل قبل أن يحرم فلا فساد أصلاً.