فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ١٦٧وقال بعض علمائنا: إن تعذر عليه أن يجر معه أحداً فليلتصق بالصف في قيامه، فإذا أراد الركوع والسجود تأخر بقدر ما يمكنه الركوع والسجود، فإذا انتهى منهما عاد إلى موقفه الأول ملتصقاً بالصف، قال الإمام نور الدين السالمي: وإنما أمروه بذلك لوجوب الصف عليه، ولأنه منهي عن المقام وحده، ولم يمكنه الصف، فأمروه أن يلزق بالصف حال القيام، ثم يتأخر للركوع والسجود لتعذرهما عليه إلا بالتأخر، فإذا قام لصق بالصف مرة أخرى لوجوب الصف عليه، وهو وجه من الحق ولا يشبه اللعب، خلافاً لزاعم ذلك، ورخص له بعضهم أن يبقى مكانه بعد ركوعه وسجوده، من غير أن يعود إلى الالتصاق بالصف، وقيل: يجوز له أن يقف صفاً وحده في حال الضرورة، بشرط أن يكون مستقبلاً للإمام، ورخص له بعضهم ولو وقف على جانب، وهذان القولان مردودان بحديثي وابصة وعلي بن شيبان المتقدمين.
احتج المرخصون بحديث أبي بكرة عند البخاري وهو أنه انتهى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال (( زادك الله حرصاً ولا تعد ))، ووجه الاحتجاج به أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمره بالإعادة وقد ركع دون الصف، والركوع جزء من الصلاة، وما جاز في الجزء جاز في الكل، وحمل هؤلاء الأمر بالإعادة في حديث وابصة لأجل ارتكاب، المكروه وقال بعضهم إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظاَ وتشديداً.
وتعقب ذلك الإمام السالمي بقوله: ولا معنى للوجهين، لأن الأمر بالإعادة دليل النقص لا الكراهية، وليس الإغلاظ في تكرار الصلاة، وإنما الإغلاظ في المبالغة في الزجر، على أن الجمع بين الحديثين ممكن بطريق أولى وأسهل، وذلك أن تحمل حديث أبي بكرة على الفعل قبل ثبوت النهي، وتحمل حديث وابصة عليه بعد ثبوت النهي، فإن القدوم على الفعل قبل النهي عنه لا يفيد فساداً، بخلافه بعد النهي ـ عند من جعل النهي دالا على الفساد.