فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٢١٤لا يشك عارف بطبيعة البشر نفوسهم مجبولة على حب المال بدافع من حب المنفعة لأنه قوام الحياة، والقرآن الكريم ينص على ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[20] ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[8] ﴾ ، وإذا كانت هذه غريزة بشرية، والإسلام الحنيف دين الفطرة، فإنه لا يصطدم معها، ولكن يوجهها الوجهة المرضية لتعود بالمنفعة والخير إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، وذلك من خلال فرض القيود والواجبات فيما يتعلق بكسب المال والانتفاع به، إذ لو تركت هذه الغريزة وشأنها لعادت قوة عارمة تسيطر على كل ما في الإنسان من هواجس إنسانية تشد الفرد إلى مجتمعه، وتجعل من المجتمع جسداً واحداً يتألم أي عضو منه، وماذا عسى أن تكون حيلة هذه الهواجس إذا هيمنت غريزة حب المال على العقل والقلب، واستحكمت في الفكر والوجدان، فأصبحت داء عضالاً ومرضاً فتاكاً يستعصي علاجه ويتعذر استئصاله، فلا يلبث الإنسان عندئذ أن يكون المال جماع، يلهث وراءه واطئاً بقدميه على جميع القيم، وملقياً وراء ظهره جميع الفضائل، غير مبال في سبيل إرواء هذا السعار المتأجج في نفسه بإتلاف الأرواح، وقطع الصلات وحل الروابط، وربما أفضى به الأمر إلى الاعتداء على أخص خاصيته، وأقرب قرابته طمعاً في احتواء تركته، وفي مثل هذه الأجواء المسممة بهذا الطبع الفتاك تنضب عواطف الرحمة، وتغور مشاعر الإحسان، فلا يرق قوي لضعيف، ولا يعطف كبير على صغير، ولا يحنو والد على ولد، ولا يجل ويبر ولد والداً، ولا يهتم قريب بقريب، وإذا بالإنسان الذي حمل أمانة الخلافة في الأرض وحش ضار أشد خطراً على بني جنسه من سباع الحيوان.