فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٢٦١إن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين عباده بعدله وبحكمته، فهو تبارك وتعالى أعطى كل أحد ما أعطاه مما يتفوق به على الآخرين، ليكون هنالك تكامل في البنية البشرية، وقد فضل بعضهم على بعض في الرزق، وفضل بعضهم على بعض في القوة، وفي موهبة العقل، وفي السلطة، وفي شتى المزايا التي يختص بها من يشاء من عباده وهو القائل سبحانه: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿ وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ ﴾ ، وهذا يعني أن وجود التفاضل في الجنس البشري أمر لا محيص عنه، تقتضيه الفطرة البشرية ليتم التكامل بين الناس، وليكون هنالك ما يكون من أسباب الترابط والاجتماع فيما بينهم، ومصارف الزكاة ليست منحصرة في الفقراء والمساكين وحدهم، بل مصارفها متعددة، والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ ﴾ ، فالزكاة تصرف في هذه المصارف الثمانية بأسرها، وإنما قدم الفقراء والمساكين لأجل ردم الهوة التي تفصل بين طبقات الناس، حتى لا تكون هذه الهوة واسعة، فيكون بذلك التقارب ما بين الطبقتين الطبقة الغنية الواجدة، والطبقة الفقيرة المحتاجة المعدمة، وهذه السنة ـ سنة الله تعالى في خلقه ـ في جميع المجتمعات البشرية، فهل يمكن أن يقال في هذه المجتمعات البشرية الراقية الآن بأنه لا يوجد فيها فقراء، فهل في الولايات المتحدة الأمريكية لا يوجد فقراء؟ وهل في الدول الأوربية لا يوجد فقراء؟ هذا وقد ضمن الإسلام للمسلمين ما ضمنه من الحقوق على اختلاف طبقاتهم ومواهبهم، وفرض على بعضهم للبعض حقوقاً بقدر ما منح الله سبحانه أولئك الذين فرض عليهم..