فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢فالإسلام لم يحرم الإنسان من الملكية الخاصة بل أباح له التملك، ولكن مع تقييد هذه الملكية بقيود وضوابط أخلاقية، حتى لا يطلق الإنسان لنفسه العنان فيكون إثراؤه على حساب بني جنسه، وهذا بخلاف ما يوجد في المجتمعات الرأسمالية، وقد شاهدت بنفسي تباين الأوضاع في المجتمعات الرأسمالية، فهونكونج عندما كانت مستعمرة بريطانية شاهدت فيها العمارات الشاهقة التي هي كأنما تعانق السحاب وتناغي النجوم، وقيل لي إن فرداً قد يملك أكثر من عمارة من هذه العمارات، وإيجارها إيجار مرتفع جداً، بحيث قيل لي: بأن الشقة الواحدة يصل إيجارها في ذلك الوقت إلى ما يساوي أربعة آلاف ريال عماني في الشهر الواحد، بينما وجدت طائفة من الناس هناك لا مأوى لهم إلا أن يأووا إلى قوارب الصيد في البحر أو إلى هياكل السيارات المتحطمة، وهذا مما يدل على أن الفجوة ما بين الطبقتين فجوة سحيقة جداً، وهذا أمر لا يقره الإسلام، فالإسلام يأمر بالعطف والرحمة، ولا يأمر بالقسوة والشدة، ونجد أن انفجار الثورات الشيوعية في المجتمع الغربي ما كان إلا بسبب نتيجة القسوة التي كابدها الناس في ظل النظام الرأسمالي القاسي الشديد، فماركس نفسه عانى ما عانى من الحرمان، وتسجل ذلك امرأته في رسالة بعثت بها لصديق لها تقول: بأنهم اجتمع عليهم مبلغ من المال لصاحبة المسكن الذي كانوا يسكنونه بسبب الإيجار وبعض القروض، فما كان منها إلا أن باغتتهم في ليلة مطيرة شديدة البرد بالشرطة فأخرجوهم من المسكن وحاول زوجها بكل جهد أن يقنع أحداً أن يتقبل إيواءهم ولم يحصل، وتحدثت عن ابنة ولدت لهم، وكابدت من مرض ثم توفيت قالت: وظللنا نبكي عليها ولم نجد لها ثوباً نكفنها له… ثم قالت: واأسفاه لقد وفدت ابنتنا إلى الدنيا ولم ترزق مهداً وغادرتها ولم ترزق كفناً.