فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩وأنتم ترون أن محور الاستدلال لجواز دفع البدل عن الجنس في زكاته الأثر المروي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ وهو مذهب صحابي، والخلاف بين الأصوليين والفقهاء في حجية مذهب الصحابي مشهور، ولكن بما أن ما كان من معاذ لم يكن بعد عهد النبوة وإنما كان في زمن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان ما يأخذه من الأثواب في مقابل الحبوب الواجبة في الزكاة يبعثه إلى المدينة المنورة، حيث مستقر الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لا يخامر العقل شك في أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كان على علم بصنيعه، وهذا يعطي الدليل دفعة من القوة لا يستهان بها، كيف وعند علماء الحديث أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا أو ننهى عن كذا يعطي حكم الرفع، لأن قوله هذا يدل على أن الأمر والنهي المعنيين قد كانا في عهد النبوة، حيث يتلقى الكل الأوامر والنواهي التشريعية عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، غير أن انقطاع السند بين طاوس ومعاذ يوهي حجية هذا الأثر، أما ما أورده الإمام البخاري إثره من الروايات الصحيحة لعضد ما استدل به عليه، فإن دلالتها على ذلك أوهى من دلالة الأثر إذ لا تشتم إلا من بعيد.
هذا، ويبدوا واضحاً من أقوال علمائنا الذين جوزوا إعطاء البدل في الزكاة أنهم راعوا مصلحة الفقير وسد حاجته، والصور المحكية عنهم في ذلك توحي بأنهم متفاوتون في توسيع دائرة الرخصة وتضييقها.