فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢وهكذا شأن فحول العلماء، الذين لا يأسرهم التقليد ولا يمتلكهم الهوى فكيف يلام بعد هذا من عمل بسنة ثابتة لأجل مخالفة فلان أو فلان، على أنك تعلم أن الحديث إذا ورد عمل به ـ على الصحيح ـ في خصوصه وعمومه، وإن خالف مذهب الصحابي الذي رواه، لأن الحجة في روايته لا في مذهبه، مع احتمال أن يطرقه الذهول والنسيان وإذا كانت مخالفته الصحابي الراوي للحديث لا تلغي شيئاً من دلالة الحديث، ولا تسقط العمل بموجبه، مع أن الصحابي أدري بموجب الرواية وملابساتها، فكيف بمخالفة من عداه ولعمري لا أعجب ممن يرضي بتقليد من يخطئ ويصيب، ويعروه الذهول والنسيان، ويدع تقليد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ المؤيد بالموحي، والمحفوف بالعصمة الموصوف بقول الله عز وجل ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى[3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ ، وهل عرف الدين إلا به، أم هل برزت الشريعة إلا من بابه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وهل يكون غيره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وإن امتطى السماء أو ناطح الجوزاء ـ إلا مدينا له ومتعبد باتباعه، إذا لا يمكن أن يهتدي إلا بهداه ولا أن يستضيء إلا بشمسه، فكيف يعارض قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقول غيره أو عمله بعمل سواه، والله در نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ حيث قال:
ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيراً ولو يكون عالما خبير