فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٤٠٩هذا ولا ريب أن كثيراً من الناس يقولون: كيف تخفى هذه السنة على جهابذة العلماء المتبحرين، وتظهر لأمثالكم من الضعفاء، وشتان بين الأرض والسماء، وأين الغزالة من الذبابة؟ والجواب: أن من استقرأ أحوال العلماء لم يدر بباله هذا الأشكال، فكم رأينا عالما خفي عليه ما ظهر لمن هو أقل منه علما بمراحل، والإحاطة بسنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مستحيلة حتى على أكابر المحدثين، كما بينه العلامة ابن تيمية في دفع الملام عن الأئمة الأعلام، كيف وهؤلاء أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين كانوا أكثر الناس التصاقا به واطلاعا على أحواله، وحفظا لسنته، قد كانوا بحيث يخفى على أحد كبرائهم من سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ما يرويه له من هو أقل منه صحبة، وأدنى منه مرتبة وأيسر منه علما، ناهيك بالعمرين اللذين كانا ـ رضي الله عنهما ـ بحيث لا يجهل قدرهما علما وعملا وملازمة للرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وعدم الانفكاك عن صحبته، ومع ذلك فقد خفي عنهما كثير من سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، مما حفظه غيرهما ممن لا يعتبر من كبار الصحابة، وقد اضطرا إلى البحث والسؤال عما حفظ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مرارا عديدة، فوجدا ضالتهما عند من لا يقاس ما عنده بعشر ما عندهما، ولم يكن في ذلك حط لقدرهما ولا خفض لمنزلتهما، وأيضا فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر، فقد يطلع العالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه، ولذلك تجد كثيرا من أئمة الحديث تخالف آراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، ومن بين هؤلاء بعض كبار أئمتنا فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كرمة التميمي ـ رضوان الله تعالى عنه ـ نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقه من المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها، كتحديد مدة الحيازة بعشرين عاما، مع أنه روى تحديدها بالعشر بإسناد