فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٦٧هذا وأما حكم حليلته التي اعترف عندها بمقارفته الفحشاء، فقيل: تحرم عليه إن كان ذلك بصريح العبارة بحيث لا يحتمل قوله معنى آخر، وذلك لأن الله عز وجل لم يجعل الزاني أهلاً لنكاح غير الزانية وكذا العكس، فقد قال تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( )، وفي الآية ما يدل على انتقاء صفة الإيمان عن الزانيين، فلا يكون أحدهما أهلاً لأن يدخل في رباط الزوجية المقدس إلا مع نظيره، غير أن نكاح الزاني الموحد للمشركة وإنكاح الزانية الموحدة للمشرك نسخ حكمهما بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ ( ) وبما أن المنسوخ إنما هو هذا الجزء من الآية، فإنما عداه باقِ على أصله، على أن الحياة الزوجية حياة استقرار وطمأنينة، وهي تتنافى مع القلق النفسي المتولد من آثار الخيانة الزوجية، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ ( )، وهيهات السكون مع الاعتراف بالفحشاء، فإن المعترف له يبقى أسير الشكوك تجاه قرينه الذي أدين باعتراف لسانه، وقيل: إن كذبته فيما قال أو كذب نفسه قبل أن يواقعها؛ فله إمساكها، ولها البقاء معه؛ لانتفاء الشكوك في هذه الحالة، وكذا إن كانت هي التي اعترفت له بالفحشاء؛ فكذبها أو كذبت نفسها قبل أن يواقعها، وقيل: إن كان اعترافه حكاية لحالة مضت على سبيل التحسر والتندم على ما أسلف من سوء مع إعلان التوبة النصوح؛ فلا يحرمها عليه؛ لأنه بتوبته عاد إلى صفة الإيمان، وهو رأيٌ وجيهٌ، ودلالته ظاهرة، ولكن لا ينبغي له بحال أن يحوم حول هذا الحمى، فإن عثرات اللِّسان أخطر من عثرات القدم، وما أغناه عن الولوج في هذه المضايق المدلهمة، والمرور