فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٨٣إن الله تبارك وتعالى شرع نكاح الحرائر من النساء للأحرار من الرجال، وفي قصر إباحة النكاح عليهن حكمة بالغة، منبثقة من روح الإسلام العلية، التي تتمشى بتشريعات الإسلام في دروب مصلحة البشر، هذه الحكمة تتجلى لمن نظر في حكم إلحاق الأولاد بالأمهات في الحرية والرق، وأن من واجب المسلم الحر أن يربأ بِقُرَّة عينه وفلذة كبده عن النزول في حضيض الرِّق الذي طالما حرص الإسلام على إبادته، ولذلك شرع عتق الرقاب في شتى الملابسات، ومن تحذير الإسلام من نكاح الإماء ما جاء في سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »من أراد أن يلقي الله طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر«( )، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مراد وكان خادمًا لأنس، وزاد فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت ـ أو قال ـ فساد البيت«( )، وعن عمر رضي الله عنه: »أيما حرٍّ تزوج بأمة فقد أرق نصفه«( )، يعني يصير ولده رقيقًا، وقال سعيد بن جبير: »ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب«، قال الله تعالى: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُم ﴾ ( ) أي نكاح الإماء، ولكن الإسلام ـ الذي هو دين السماحة واليسر ـ من شأنه الاستجابة لضرورات البشر، ووضع الحلول السليمة لجميع مشاكلهم الناجمة في الحياة، لذلك أباح نكاح الإماء مع الضرورة المركبة من أمرين: عدم حصول الطول إلى نكاح المحصنات، وخوف العنت، وهو الزنى في قول القرطبي، وقال القطب رضي الله عنه: »إنه الزنى أو المشقة والجهد الحاصلان من كبت الغريزة ومعاكسة الفطرة«، وبهذا فسَّره السيد محمد رشيد في تفسيره "المنار"، وقال: »ذلك أن مقاومة هذه الداعية التي هي أقوى وأرسخ شؤون الحياة تفضي إلى أمراض عصبية وغير عصبية ـ إذا طال العهد على مقاومتها ـ« أهـ وقول القرطبي هو الذي ذهب إليه الجمهور، ولكن الثاني