فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى النكاح

الجزء ٢ · صفحة ٩٣

وهنا يجمل بنا أن نقف لحظة لنمعن النظر في وصف الفتيات بالمؤمنات في الآية، هل اتصافهن بالإيمان شرط في إباحتهن؛ فلا تحل الكتابيات منهن أم لا؟ نجد اشتراط الإيمان في إباحتهن أمرًا ضروريًا في سلامة بناء الأسرة المسلمة، والحكمة في ذلك جلية، وهي وجوب محافظة المسلم ـ المعتز بإسلامه المعتد بإيمانه ـ على أفلاذ كبده عن سيطرة الكتابيين عليهم بحيث يكونون لهم أرقاء، إذ أولاد الأمة تبعٌ لسيدها: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ ( ) وهذه الحكمة مما استجلاه ـ من أعماق أسرار التشريع ـ العلامة الكبير المحقق الخليلي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ، وبناء على رعاية هذا الشرط يمنع من نكاح الإمام الكتابيات منعًا باتًا لا هوادة فيه، وهو قول أصحابنا ـ رحمهم الله ـ وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي والحسن البصري ومكحول ومجاهد وعليه جمهور السلف والخلف، وذهب طائفة منهم أصحاب الرأي إلى أن نكاح الأمة الكتابية جائز، قال ابن عبد البر: »ولا أعرف لهم سلفًا إلا أبا ميسرة عمرو ابن شرحبيل، فإنه قال: إن إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن، وحملوا قوله تعالى: ﴿ المُؤْمِنَاتِ ﴾ على معنى الوصف الفاضل لا على أنه لا يجوز غيرها، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لَمَّا لم يكن وصف المحصنات بالمؤمنات مانعًا من تزوج الكتابيات؛ فكذلك الإماء«، وأيد مذهبهم من المتأخرين الإمام محمد عبده، فإنه قال: »والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا في الإماء، وإن قيل به، وإنما هو لبيان الواقع، فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة، وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن، وسكت عن نكاح الكتابيات، والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن؛ فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره؛ لأنه الواقع، أي ولأنهم لم يكونوا معرضين لنكاح الكتابيات، ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة، وهي نزلت بعد سورة

٥١٢ / ١٬٤٠٦