فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ١١٣الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقًا عجيبًا، وفضله على غيره تفضيلاً، وسخَّر له منافع هذا الوجود، وخلق له الكائنات التي في هذه الأرض، وهذا الإنسان إنما فضل تفضيلاً على غيره، وأُتِيَ ما أُتِيَ من الملكات والطاقات لأجل أنه يضطلع بأعباء ومسؤوليات الخلافة التي شرفه الله تعالى بها، وهذه الخلافة لا يمكن أن تقوم مع تشتت الإنسان في حياته، فحياة الإنسان حياة اجتماعية، لذلك كان لا بد من انتظام أفراد في سلك واحد يجمعهم، ومن أجل هذا شرع في الإسلام ما شرع من الزواج، ومراعاة الحقوق الزوجية بين الزوجين، ومراعاة حقوق الآباء والأمهات على الأبناء والبنات والعكس، ومراعاة حقوق القرابات على اختلافها، فإن الأسرة إنما هي نواة للمجتمع، بل هي المجتمع الأصغر، وبما أن الإنسان كائن اجتماعي؛ فلا بد أن يكون عاملاً في إطار أسرته ومجتمعه وأمته، حتى يكون هنالك التكامل، وتكون الأسرة أسرة واحدة مترابطة يشدُّ بعضها على يد بعض، ويرعى بعضها بعضًا، ويحرص البعض على مصلحة البعض الآخر، وكذلك المجتمع؛ لأن هذا التكامل عندما يكون بين المجتمع يكون المجتمع مجتمعًا راقيًا ناهضًا، وكذلك الأمة، فإن الأمة إنما تتحد وتتكامل إذا اتحدت آلامها وآمالها ومبادؤها وغاياتها، وصارت كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى«( )، فلذلك كان لزامًا أن يصلح شأن الأسرة، والله سبحانه تعالى أوجد ما أوجد من الأحكام التي أقرها على رسله في كتبه، وجاء بيانها فائقًا كل بيان فيما أنزل على قلب نبينا محمد ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ، لأن الفطرة التي فطر عليها العباد إنما هي من عند الله، والدين الذي بعث به رسله إنما هو أيضًا من عند الله، ونحن نرى