فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى النكاح

الجزء ٢ · صفحة ١٤٢

مجتهد، وموافقة الأكثرين له لا تحتم تقليده، على أنه يجوز أن يكون قد فعل ذلك لتحذير الناس من إيقاع الطلاق على وجه مغاير للسنة، فإن السنة أن تطلق المرأة في أوقات مختلفة على الوجه الذي تقدم بيانه، فمن تجرأ على تطليقها دفعة واحدة؛ فقد خالف السنة، وجزاء هذا أن يعامل بقوله زجرًا له، وبالجملة فإن الذين قالوا: إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع به واحدة لا ثلاث لهم وجه سديد، وهو أن ذلك هو الواقع في عهد الرسول وعهد خليفته الأعظم أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ، واجتهاد عمر بعد ذلك خالفه فيه غيره؛ فيصح تقليد المخالف كما يصح تقليد عمر، والله تعالى لم يكلفنا البحث عن اليقين في الأعمال الفرعية؛ لأنه يكاد يكون مستحيلا« انتهى المراد منه.

إذا قال رجل لزوجته طلقتك بالثلاث، وذهبت الزوجة إلى بيت أهلها، وعندما طهرت من الحيضة الثالثة؛ ذهب وعقد عليها بعقد جديد بجميع لوازمه الشرعية، من صداق وولي وبينة، واعتبر طلاقه لها طلقة واحدة، أخذًا بقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وابن إسحاق وغيرهم ممن خالف رأي الجمهور، فما حكم فعله؟

رواية ابن عباس التي أخرجها مسلم بلفظ: »كان الطلاق طلاق الثلاث.. « إلخ، ضعفها جماعة من أئمة الحديث كما هو مبسوط في "السيف الحاد" "والربيع بن حبيب مكانته ومسنده" لمحدث العصر العلامة القنوبي حفظه الله، وذكر ذلك أيضًا كل من الحافظ ابن حجر والعلامة ابن العربي والشنقيطي في "أضواء البيان" وغيرهم، وقد أجاب جمهور العلماء على الاستدلال به بأجوبة أخرى كما في "الفتح" "وتفسير القرطبي" "وأضواء البيان" وغيرها، وليس هذا هو المشهور من رأي ابن عباس إذ لم يروه عنه أصحابه إلا طاوس، وسائر أصحابه حكوا عنه ما يتفق مع رأي الجمهور، هذا وأمَّا لو عمل أحد بذلك الرأي المخالف لرأي الجمهور من غير أن يحكم عليه بخلاف قاض شرعي؛ فإنه لا يُفرَّق بينهما، إذ لا حكر في الرأي، والله أعلم.

٥٦١ / ١٬٤٠٦