فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ١٨٢1. … وأما استدلال ابن حزم بالآية والحديث، لما ذهب إليه فقد أبعد فيه النجعة، إذ لا دليل فيهما من قريب أو بعيد على صحة قوله، فدلالة الآية الكريمة لا تعدو وعيد من تعدى حدود الله، ولا إشارة فيها إلى طلاق المشرك، بل سياقها ليس في الشرك إطلاقا؛ وإنما هو في إخراج المطلقة وخروجها من بيتها بعد الأمر بطلاق المرأة لعدتها ونصها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ ( ) فأي علاقة بينها، وبين ما ذهب إليه من إلغاء طلاق المشرك، وعدم الاعتداء به؟ إنَّ هذه كبوة لا تليق بصغار الطلبة فكيف بالعلماء المحققين.
وأما الحديث فغاية ما يدل عليه، أن العمل المخالف لتعاليم الإسلام وأوامر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا اعتداء به في موازين الحق، ومن الوضوح بمكان أنه لا يعني طلاق المشرك من قريب ولا من بعيد، وما تفريق ابن حزم بين طلاقه، وعقوده، وسائر أحكام معاملاته، إلا كالتفرقة بين الضأن والمعز في أحكام الزكاة، وبين الذهب والفضة في أحكامها وأحكام الربا، وما هو إلاَّ تفريق بين الشيء ونفسه، فكفى بذلك دليلاً على ضعف استدلاله، والخلاصة: أن القول الصحيح أن ما كان من طلاق المشرك إبان شركه، معدود في الطلاق الذي يبينها منه، فلو طلق تطليقتين في الشرك وواحدة في الإسلام أو العكس، لكانت ثلاثاً تحرم عليه المطلقة إثرها حتى تنكح زوجاً غيره، والله أعلم.
كنايات الطلاق: