فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٦? وذهب أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ إلى أن الرجل الذي يزني بالمرأة لا تحل له بعد ذلك بحال من الأحوال، وهذا القول روي عن طائفة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فقد روي عن كل من الإمام علي، وعائشة أم المؤمنين، والبراء بن عازب، وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ أنه قال: "أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهم زانيان أبداً"، ولم يكن ذلك إلا من أجل سد ذريعة الفساد، ولئن كان هذا القول صدر من هؤلاء الصحابة الكرام في ذلك العهد الزاهر، عهد الطهر والعفاف، وعهد النزاهة والحشمة والوقار، وعهد الحرص على تعاليم الإسلام، وتعاليم السنة النبوية، والاشمئزاز من الرذيلة، وعدم الرغبة في الحوم حول حماها، فكيف بالحال في زماننا هذا، الذي انتشر فيه الفساد، وغرق الناس فيه إلى الأذقان، أليس الأولى أن يوصد باب الذواقة بين الشهوانيين في حرمانهم من الزواج بعد ذلك، فإنه عندما يعرف كل منهم بأن هذه الذواقة تؤدي بهما إلى الحرمان، يتأففان منه، ولو دفعتهم إليه الشهوة، على أن الزواج رابطة مقدسة، يجب أن لا تشوبها ريبة، وأن لا تحوم حول حماها، فإن القرآن الكريم يبين لنا أن الزواج اطمئنان، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ( )، فالزواج جعله الله سبحانه وتعالى كنف رحمة، يأوي إليه الرجل والمرأة، وهو سبب للطمأنينة التي تغشى صدورهما، فيطمئن كل واحد منهما إلى الآخر، ولذلك عبر القرآن عنه بهذا التعبير عندما قال تعالى: ﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ ( )، بحيث يسكن الرجل إلى المرأة، أي يطمئن إليها طمأنينة كاملة، وتسكن هي إليه أيضاً، وأنى لرجل عاشر امرأة على بساط الدعارة والفجور، وقاسمها الفحشاء، ونازعها الرذيلة أن يطمئن إليها في يوم من الأيام؟ ! وأنى لها أن تطمئن إليه،