فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٠الدلالة أن تطمئن نفس أحد من الناس إلى أحد غيره أنه لا يجد في صدره حرجاً أن يأكل ذلك من ماله، بل لو أبصره يأكل لسره ذلك لما بينهما من الألفة والمودة والانسجام، وشرط جوازها أن يكون الآكل لو أبصره صاحب المال لما داخله شيء من الحياء والريبة، فإن الحياء دليل عدم الاطمئنان، والأصل لها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ﴾ فإن الأكل من مال الصديق في غيبته باطمئنان هو الدلالة، وأما التعارف أن يتعارف أبناء المجتمع الواحد على أمر يتعلق بأموالهم لا يجدون فيه حرجاً، كالذي جرى به العرف عندنا في عُمان من استعمال مياة الأفلاج للغسيل والوضوء وتغسيل الملابس واستعمال البيوت، وكالتقاط ما يتساقط من ثمر النخل غير المجدر في غير وقت هبوب الرياح، ومثل ذلك ما أدركنا عليه الناس في زنجبار من إباحة رعي الماشية في الأعشاب النابتة في أموال الغير، والانتفاع بما يتساقط من ثمار تلك الأموال، والزرع في أراضيها بدون استئذان أصحابها، وهذا كله سائغ ما دام الكل قد تعارف عليه والله أعلم.
الدلالة والتعارف هل يجريان على أموال الأيتام والمجانين والمساجد والقصّر ومن لا يملك أمره؟
أما الدلالة فلا؛ لأنها لا تكون في مال من لا يملك الإذن، وأما التعارف فنعم، لأن هؤلاء يجري على أموالهم ما يجري على أموال غيرهم، كيف والأفلاج التي ينتفع الناس بمياهها قد يكون من بين أربابها الصبي والمجنون والغائب والمسجد وغير هؤلاء والله أعلم.
ثلاثة أشخاص بينهم تعارف إذا أراد الأول مبلغاً من المال أخذه من الثاني وإذا أراد الثاني أخذه من الثالث وهكذا، ولا يكتب كل منهم المبلغ الذي يأخذه صاحبه والذي يعطيه إياه، ولا يعرف كل واحد منهم الذي له والذي عليه.