آراء الشيخ ابن أبي نبهان في قاموس الشريعة لـ؟؟
الجزء ١ · صفحة ٢١٣الوجه الثاني: فيما بين الملك وبين العاصي له من رعاياه، ثم يتعدى به إلى غير الملك، أو بين المرء وبين ظالم له، فالعفو له في هذا، يكون على قسمين:
إما أنه قد يوعده بالجزاء وهو حاضر أو غائب عنه، عن غضب حل بقلبه في حين ذلك، فإن كان قاصداً ذلك فيه حين نطق بالتوعد عليه فهو صادق، ثم بدا له من بعد أن يعفو عنه لأمر رآه، أصلح له أي العافي؛ فالله تعالى لا تجوز لذاته هذه الصفة، وليس هي من الصفات المحمودة لذات الله؛ لأنه يصير محلاًّ وظرفاً للأعراض، ووصفه بهذا كفر عظيم.
والقسم الآخر، أنه يوعده على غضب حل به فيه، أي ثم زال عنه فأهمله عفواً، فهذا في وصف الله تعالى به كفر.
الوجه الثالث: فيما بينه، أي السلطان، وبين الرعية حدود حددها عليهم في طاعته لهم مما لا يليق من الرعية إلا طاعته فيها، وتوعد بالجزاء على من خالفه فيها، وإن ترك جزاءه فيهم وقع ما لا يليق بهم، ولا بالملك، فمن عصاه في ذلك منهم، فالعفو في ذلك على قسمين:
أحدهما: إذا كان حدد ذلك وفي نفسه أنه لا يجازي من عصاه فيه، وإنما أراد إظهار عفوه لهم، وإظهار كرامته فيهم بالعفو، فهذا مما لا يعد من الصفات المحمودة، لا سيما فيما هو قبيح في ظاهر الأمر مما عصوه فيه وحدده أن لا يعصوه فيه؛ لأنه نوع من اللعب واللهو، وإظهار الاستخفاف، وتضعيف هيبته، ويدعو إلى الجرأة في كل فعل غير لائق، وإلى ظلم الرعية بعضها لبعض.
والقسم الثاني: أنه حدد تلك الحدود، وتوعد بذلك الجزاء، وفي نفسه أنه ليفعل بجزائهم ذلك، ثم عصاه من عصاه، فعفوه عنه إن لم يكن الأمر نظره بعد ذلك، وهو باق على عصيانه متمرداً غير مذعن إليه بالرجوع عن ذلك، فليس ذلك من الصفات المحمودة في العافي، بل لا يفعله – أي العفو – إلا العاجز عن أدب العاصي، وأنه يكون ذلك سبباً لفتح أبواب الجراءَة على عصيانه، والاستخفاف به، ويدل ذلك على كذبه فيما يتوعد به من أدب المستحقين الأدب.