الحضور المشرقي في فقه المغاربة لمحمد باباعمي
الجزء ١ · صفحة ٢لا اختلاف في العقيدة والدين:
إنَّ المتتبع لمصادر التراث المشرقي والمغربي على السواء يلاحظ بداية أنَّ ثمَّة وحدة عضوية تجمع بين علماء الإباضية، وهي أنَّهم غير مختلفين فيما لا يجوز الاختلاف فيه، وفيها لا يعذر فيه عذر المخالف، ذلك أنَّهم يجمعون على أنَّ الديانة بمعنى العقيدة «اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها، مما اعتقدوه دينا يدان لله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم، سواء كان ذلك حقا أم باطلا، أو عمدا أو خطأ»(1) .
وبالتالي، فما دام عذر المخالف مقطوعا، فلا نكاد نطالع مسألة مما اختلفوا فيه، ولقد نستثني مسألة: خلق القرآن الكريم، التي وقع فيها جدل في كامل التراث الإسلامي، ومن جملة من اصطلى بنارها الوافدِ من البصرة، أهل عمان في بداية القرن الثالث الهجري، ثم انتقلت المسألة بعد ذلك إلى المغرب.
وإن عرف التشدد من بعض العلماء في المسألة، حتى اعتبر مخالفه قد انحرف الطريق، وحكم عليه أنه متأول خطأ، إلاَّ أنَّ المحققين اعتبروا المسألة مجرد خلاف لفظي، لا غير، ومردُّ الحكم فيها إلى تحديد مصطلح الكلام، هل هو الكلام النفسي؟ أم هو الكلام المتلو باللسان، والحفوظ في المصاحف؟
فإن قصدنا به الأول، فهو ولا شكَّ قديم، وإن قصدنا المعنى الثاني، فهو مخلوق، ولا مشاحة في الاصطلاح(2)
ونكاد لا نطالع أيَّ مسلة أخرى من العقيدة، أو من علم الكلام، وقع فيه الاختلاف بين المشارقة والمغاربة، فهم في خطِّ واحد، وموقف واحد من المجاز، والتأويل، والتنزيه، واعتبار حجية خبر الآحاد… وغير ذلك مما هو منشأ الاختلاف في هذا الحقل الجوهري من التقسيم المذهبي لدى المسلمين.
إنما الاختلاف في الفرعيات:
(1) - انظر- الوارجلاني: الدليل والبرهان؛2/05، 37، 58، 47؛ 3/36، 41-42 ط. اطفيش: شرح النيل؛ ج17/ص7.
(2) - الوارجلاني: الدليل والبرهان، 2/60، 2/82. العوتبي: الضياء، 2/121، 2/208.